اشتريت هذه الكتب من غزة لكي أتعافى.. بعد انغماسة طويلة في صخب الحياة ضاع مني محمد فيها..
وكنت في زيارة سابقة وعدت صاحب المكتبة أن أتحدث عن فسطاطه الراقي هذا.. وأخلفت وعدي.. لأن الكثير مني قد ضاع مني.
وحينما قصدت غزة لم أرغب في زيارة مكان آخر غير قرطبة.. ومصافحة وجه صاحب المكتبة الشاب الجميل الذي يعرف على اي رف يقع هذا الكتاب.. وعلى أي رف يجب ألا يقع ذلك الكتاب.. يناقشك في محتوى كل الرفوف كأنه قرأ كل شيء.
كانت فتاتان لم تتجاوزا السادسة عشرة تقلبان الكتب بنظرة فلاسفة! وفي حضرة هذا المنظر المهيب عليك أن تنتظر خلو الممر
لتتناول كتابًا من مكان وقوفهما.. وأن تتأكد من أن جوالك صامت.. وأن تخرج من المكان إذا اضطررت لإجراء أي اتصال طارئ..
حينما كنت في سن الفتاتين كنت أمشي من حي الشجاعية حتى مكتبة الثقافة والنور في حي الرمال.. كي أستعير كتابًاوأقرأه تحت ليمونة الدار في صباحات الإجازة الصيفية المملة!
ربما كانت الفتاتان مثلي.. ربما كانتا من هناك.. أو من مكان أبعد.. لكنهما نازحتان في الجوار.. لا تمشيان كثيرًا قاصدتين مكتبة.. لكن يسير قلب كل منهما كل يومٍ نحو حيٍّ ما.. لم يعد ضمن خارطة البلاد الحرة.
محمد العُكشية
26/3/2026


