أريد أن أذهب إلى البحر
قبل ذلك.. أرتب موعدًا في صالون الأحلام، وأتناول قهوتي ببطءٍ في زاويةٍ باردة من هذا العالم
أريد إجازةً من العالم ذاته
من الحياة
كي أُجربَ أن أكون ظلًّا
أُريدُ إجازةً من الحربِ…
من هذا التوقيتِ المفخخِ بالهاونات
من خريطةٍ لا تعرفُ الفرقَ بين حدودِ الدم وحدودِ الورق
من نشرةِ الأخبارِ التي تُبكينا… بنفس الملل والتكرار
من نشيد الطائرات وهي تمرُّ كأنها ملائكة الخراب
من صفارات الإنذار التي لا تملك حتى اللياقة لتعتذر
أُريدُ إجازةً من الموت..
من عناوينَ تعلمت كيف تنعي الجنين
وتعد الشهداء كما نعدُّ جالونات الماء في الطابور
من السؤالِ: مَن بقي؟
ومن جوابِ: لا أحد.
من أشلاءنا على الجدران
من تواريخ الولادة التي تطبع على اوراق الوفيات
من صور الأجساد التي لم تجد وقتًا لتغلق عيونها
أُريدُ إجازةً من الجوع..
من بطني الذي صادقَ الهواء
ومن أمي التي تعتذرُ من طنجرتها الخاوية
كأنَّ الخبزَ جريمةٌ ترتكبها يدها المرتجفة
من الطوابير التي تمتدُّ كخطايا لا تغتفر
من رغيفٍ واحدٍ يمرُّ على سبعة أفواه
من بطنِ طفلٍ لا يعرف اسم الحلوى ولا نكهة زيت الزيتون
أُريدُ إجازةً من الوقتِ..
من ساعةِ الجدارِ التي ماتت على الخامسةِ إلا قصفًا
من نهارٍ طويلٍ كألمٍ لا يريدُ أن يُشفى
ومن ليلٍ نرشه بالصلوات كي لا يسقط علينا
أُريدُ إجازةً من الطوابير
من لغةِ الانتظارِ
من مخارجِ الطوارئ المغلقة
ومن الحظِّ الذي يزورُنا بعد أن ينتهي الدواء
أُريدُ إجازةً من الخوفِ
من الباب حين يُطرق فجأة
من ضوءٍ لا نعرف إن كان برقًا أم قصفًا
من وجهي في المرآة، حين يبدو غريبًا عنّي
من ضحكةِ ابنتي حين تتلعثم
من صوتِ الريحِ وهي تجرُّ شبحَ قذيفة
أُريدُ إجازةً من الأمل..
ذاك الحُلمِ المؤجَّلِ
الذي نكتبهُ فوق أبوابِ الملاجئ
ثم نمسحه بدموعِنا كلما مرت طائرة
أُريدُ إجازةً من اسمي..
من هذه الهويّةِ المُثقلةِ بالشهداءِ والنكبات
من لغتي التي لم تعد تُقنعُ أحدًا بالنجاة
ومن مرآتي… التي ترى في وجهي مدينة كاملة تحترق.
أُريدُ إجازةً من النوم..
من أحلامٍ تشبهُ المجازر
من فراشٍ تحرسهُ الجرذان والذكريات
من ليلٍ طويلٍ طويل… لا آخر له
أُريدُ إجازةً مني..
من هذا الشاعر الذي يحفظُ أسماءَ الموتى أكثر من القصائد
من هذا القلبِ الذي لم يعد يصلحُ إلّا للكتابةِ تحت الأنقاض
إجازة من كل شيء…
فقط لأتنفس
كما يتنفس الحجر
حين ينساه الجنود…
رائِد شِنيوره
19/04/2026


