هناك قراءات لا تخرج منها كما دخلت. انتهيتُ مؤخرًا من «النوع البشري» لروبرت أنتلْم، في واحدة من أولى تجاربي مع الأدب الفرنسي، إلى جانب مذكرات زوجته السابقة مارغريت دوراس «الألم». تخرج من هذه الأعمال بشيء يشبه الحزن، لكنه ليس حزنًا عابرًا؛ بل تفكيك بطيء للألم، يتسلل إلى أعماق الروح والجسد تحت وطأة التجربة.
إنها تجربة الاعتقال في معسكرات النازية، حيث تصطدم، وأنت تقرأ، بأدنى قاع يمكن أن تبلغه الإنسانية. ترى هوّة شاسعة تفصلك عن هؤلاء «البشر» كما سماهم روبرت، دون أن ينفي عنهم صفتهم البشرية، إذ إن كونهم بشرًا هو في ذاته مكمن الرعب الحقيقي.
تخرج من هذه القراءة مدركًا حجم الفجوة بين التجربة واللغة؛ فجوة يستحيل ردمها، لا قصورًا في اللغة، بل لأن الواقع نفسه يتجاوز كل تعبير. لقد غيّرتني هذه التجربة بعمق، وجعلتني أعيد النظر في كل ما قرأته وكتبته من قبل.
ومع ذلك، أستطيع القول إنني خرجت منها بشيء أثمن: تلك العبارة التي قالها روبرت بثبات، وبإرادة حقيقية رغم كل ما تحمّله من تبعات هذا العيش:
«أتعلم، أحيانًا يبدو لي أن رأسي سينفجر.
ولا يمكننا فعل شيء،
لكن يجب أن نصمد.
لا أريد أن أموت هنا،
هذا لا أريده، ليس هنا.»
وأنا، مثله، لا أريد أن أموت هنا—حتى لو كلّفني ذلك حياتي.
أسيل المنسي
21/04/2026


