البداية |

البداية

بدأ كل شيء دون أن يبدو أنه بداية.

كانت الليلة طويلة، ممتدة كخيطٍ لا ينقطع، قضيتها في مرسمي، بين أوراقٍ بيضاء لم تعد بيضاء، وأقلامٍ تحاول أن تسبق ما سيحدث دون أن تعرفه. كنت أرسم كما لو أنني أؤجل شيئًا ما، كما لو أن الرسم يمكن أن يؤخر الكارثة، أو على الأقل يمنحها شكلًا يمكن احتماله.

في السادسة صباحًا، حين انتهيت، لم أشعر بأنني أنجزت عملًا، بل كأنني خرجت من داخلي. كان الضوء شاحبًا، والمدينة تستيقظ ببطء، أو ربما لم تنم أصلًا. غسلت وجهي، جمعت أشيائي، واستعددت للذهاب إلى العمل. كنت لا أزال محاضرًا في كلية الفنون، رجلًا لديه جدول يومي، ومحاضرة سيقدمها، وطلبة ينتظرونه.

لكن شيئًا في الهواء كان مختلفًا.

ليس صوتًا محددًا، ولا حدثًا واضحًا، بل إحساس كثيف، كأن المكان يعرف أكثر كانت السماء، رغم صفائها، مثقلة بشيء لا يُرى.

لم أكن أعلم أن تلك اللحظات، هي آخر ما يشبه الحياة العادية.

في تلك الساعات الأولى، لم تكن الحرب قد أعلنت نفسها بالكامل بعد، لكنها كانت قد بدأت في داخلنا. في الارتباك الصامت، في النظرات المتقطعة، في ذلك السؤال غير المنطوق: ماذا يحدث؟

في الخارج، كان الصوت الأول يقترب.

وفي الداخل، كان كل شيء يحاول أن يتماسك.

ذلك الصباح لم يكن مجرد بداية حرب، بل بداية انكسارٍ بطيء، لا يُقاس بعدد الأيام، بل بعمق ما سيتركه فينا. منذ تلك اللحظة، لم يعد الكون حولنا كما كان.

كان اليوم الأول، لكنه لم يكن يومًا عاديًا يمكن أن يُنسى. كان لحظة عبور، من حياةٍ تُعاش، إلى حياةٍ لا تُحتمل. 

ميسرة بارود

٣/٥/٢٠٢٦

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading