مضى عامان كاملان وأنا أتعلم كيف يمكن للإنسان أن يعيش ناقصاً إلى هذا الحد، كيف يمكن لأبٍ أن يواصل أيامه بينما ذراعاه فارغتان من أطفاله، وكيف يمكن لقلبٍ أن يعتاد النوم دون تلك الطمأنينة الصغيرة التي يمنحها حضن طفل
عامان لم أتمكن فيهما من احتضان جوان ومحمد، من تقبيل جبينيهما، من أن أضع رأسي قرب رأسيهما وأطمئن أن العالم ما زال بخير ما دام دفؤهما قريباً مني
يطلّان عليّ من خلف الشاشات الباردة، نتحدث قليلاً، نضحك قليلاً، يحاولان أن يبدوا قويين لأجلي، ثم تنتهي المكالمة فجأة، فيعود الصمت كوحشٍ إلى صدري، وتشتعل داخلي نار لا يعلم مداها إلا الله
كل شيء في الاتصال يبدو ناقصاً؛ الصوت بلا رائحة، والضحكة بلا عناق، والملامح بلا لمس، كأن التكنولوجيا كلها عاجزة عن اختراع شيء واحد فقط: حضنٌ يصلح هذا الخراب
هكذا فرضت علينا الحياة الفلسطينية خياراتٍ تشبه المستحيل
إما أن تبقي أبناءك قربك داخل الجحيم، أو تنقذهم وتبقى أنت وحيداً تحرس الغياب كأن الفلسطيني لا يُمنح حق الحياة كاملة أبداً، انما يُجبر دائماً على اقتسام قلبه بين النجاة والخسارة
يكتب علينا الفقد كما لو أنه قدر يومي، حتى صار العالم يظن أننا اعتدناه، مع أن الحقيقة أن الفلسطيني لا يعتاد شيئاً من الألم، لكنه فقط يتقن الصمت عليه
جوان ومحمد يدخلان عاماً ثالثاً بعيدين عني
يكبران بعيداً عن عينيّ، تتبدل ملامحهما، تتغير أصواتهما، تنضج تفاصيلهما الصغيرة دون أن أشاركها
أكثر ما يؤلمني أنني لست هناك في اللحظات التي يحتاجانني فيها أباً حقيقياً لا صورةً على شاشة
حين يمرض أحدهما، حين يخاف، حين يسقط، حين ينجح، حين يبكي في الليل، أنا لست هناك
وهذه ليست خسارة عابرة بالنسبة للأب، انما شعور دائم بالعجز، كأن الرجولة نفسها تُنتزع منك ببطء لأنك عاجز عن القيام بأبسط واجبات الحب: أن تكون قريباً
تحاول إلهام، زوجتي العزيزة، أن تحمل هذا العالم وحدها
تخفي تعبها كي لا ينكسر الأطفال، وتخفي خوفها كي لا أنهار أنا
تبذل جهداً مضاعفاً لتسدّ فراغي، لكن بعض الفراغات لا يملؤها أحد، لأن الأب ليس وظيفة داخل البيت، بل شعور بالأمان، وصوت، وكتف، وظلٌّ كبير يمشي أمام أطفاله كي لا تصيبهم قسوة الطريق
وأنا، رغم كل شيء، ما زلت جائعاً إليهما
جائعاً إلى حضن محمد، إلى أن أضع رأسه على صدري وأسمع أنفاسه الصغيرة، إلى أن أضم جوان وأداعب شعرها وأشعر أن الحياة لم تهزمني بالكامل بعد
أشتاق إليهما بطريقة موجعة، شوق لا يشبه الحنين العادي، يشبه اقتلاع عضو حيّ من الجسد وترك القلب يتعلم كيف يعيش ناقصاً
أصعب ما في الأمر أن الناس يظنون أن الشجاعة تعني الصمود فقط، بينما الشجاعة الحقيقية أحياناً هي أن تكسر قلبك بيدك كي تنقذ أبناءك
أن توافق على الغياب لأن الحضور قد يقتلهم
أن تتحول إلى أبٍ بعيد كي تمنحهم فرصة قريبة من الحياة
ذلك النوع من القرارات لا يُرى في نشرات الأخبار، ولا يُكتب تحت الصور، لكنه يترك داخل الرجل خراباً لا ترممه السنوات
الأب المكسور ليس الرجل الذي يبكي فقط، انما الرجل الذي يواصل الوقوف رغم أنه منهار من الداخل
الرجل الذي يضحك في المكالمات كي لا يخاف أطفاله، ثم يطفئ الهاتف ويجلس وحيداً يحدق في الفراغ كأنه فقد العالم كله دفعة واحدة
الرجل الذي يتظاهر بالقوة لأنه يعرف أن انهياره رفاهية لا يملكها
وفي فلسطين، حتى الأبوة تصبح معركة
ليس مطلوباً من الأب أن يؤمّن الطعام فقط، انما ايضا أن يهزم الحرب، والحصار، والخوف، والغياب، والعجز، وأن يبقى واقفاً رغم كل ذلك
كأن الفلسطيني يُطلب منه دائماً أن يكون جبلاً، مع أن الجبال نفسها لو حملت ما نحمله لتصدعت
ومع هذا كله، يبقى في قلب الأب شيء لا تموت فيه الحياة
أمل صغير وعنيد، يقول له إن هذه المسافة لن تدوم إلى الأبد، وإنه سيأتي يوم يفتح فيه الباب فلا يحتاج إلى شاشة كي يرى أبناءه، يوم يركض محمد إلى صدره، وتختبئ جوان بين ذراعيه، ويكتشف أخيراً أن بعض الأرواح لا يعيدها إلى الحياة إلا حضنٌ تأخر كثيراً.
أحمد نبيل غانم
10/05/2026


