ماراثون وَواقِعان |

ماراثون وَواقِعان

ماراثونٌ دوليّ يُقام في غزة بالتزامن مع بيت لحم!!.

من الذي اختار هذه الثنائية الحادة بين مدينتين تبدوان – في الصورة على الأقل – بلا قواسم مشتركة؟ وما الغاية من هذا التوازي القاسي بين مشهدين متناقضين إلى هذا الحد؟

في غزة، احتفت وسائل الاعلام ومواقع التواصل بشبّان بأطراف مبتورة، يرتدون “تي شيرتات” بيضاء، يركضون فوق ما تبقى من شوارع مدينتهم المدمرة.

وفي بيت لحم، توالت الصور لشبّان وشابات “كاملي الاطراف” ، تفيض من وجوههم نضرةُ النعيم.

أيُّ معنى يُراد من وراء هذه المفارقة؟

هل هي براءة ساذجة تخفي قسوة لا تعيها؟ أم فعل مقصود ليشع وجع غزة اكثر إذا ما وضع إلى جواره نقيضه الكامل؟

متى ستُعتق غزة من الصورة التي حُبست داخلها ؟

وما مصير جيل ينشأ ويتربى على فكرة أنّه ابنُ مدينةٍ مثيرةٍ للشفقة؟

لم يعد الأمر متعلقًا بالضمير الوطني، ولا بعقدة الذنب تجاه غزة.

لقد جرى تطوير نموذجٍ كامل يمكن تسميته بـ«اقتصاد الشفقة» أو «اقتصاد التسوّل العاطفي»؛ قطاع اقتصادي جديد تُدار فيه المأساة بوصفها مورداً قابلا للاستثمار، ويُعاد فيه إنتاج الألم ضمن آليات ذكية ودنيئة في آن معاً. 

تُستخدم فيه الصورة والصوت، والمؤثرات البصرية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والفعاليات والانشطة تحت عناوين ثقافية وفنية، لكي تُقدَّم غزة دائمًا كجثة مفتوحة، أو يد خارجة من تحت الركام تستجدي وتستغيث.

هذا الاقتصاد تديره أحزاب سياسية، ومؤسسات، ويستفيد منه اطياف كثيرة من مثقفين وفنانين ومبادرين؛ لصوص ومتسوّلون محترفون، لا يسرقون المال فقط، بل يسرقون صورة المدينة وكرامة أهلها.

كلّما ازدادت الصورة قسوةً، ارتفعت انتاجيتها!! .

غزة اليوم تحتاج إلى التخلّص من خمسين مليون طنّ من الركام، لنفتش تحتها عن 

غزة ما قبل 2023،

ونحتاج بعدها أن نحفر بعمق أربعين سنة لنستخرج “غزة الانتفاضة الأولى” غزة النقاء الاول والسرد الاول ، هل تذكرونها؟!

هل تذكرون عنقها الطويل وعزة نفسها قبل زمن التكيات واللطميات وفيديوهات التسول ،

غزة الغنيّة بنفسها و بجيبها أيضاً.

اتذكرها جيداً، وقت ان كان المتسوّلون في شوارعها أفراداً يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، لكل واحد منهم اسماً نعرفه وصوت خاص في دعوة الناس الى ذكر الله، كأنما وجودهم كان لضرورة تربوية اقتضتها المدينة : ان يتعلم الأطفال معنى الإحسان والعطف على الفقراء.

لكي تتعافى غزة، لا بدّ أن تتخلّص من صورتها كمدعاة للشفقة

لأنّ المدينة التي تعيش طويلًا على التعاطف، ستنتج اجيالا مشوهة فاقدة الايمان بنفسها وبقدرتها على الحياة خارج دور الضحية.

عاهد حلّس

10/05/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading