حين قالت إنها تمنت موته… وتذكّرت أنا خوفي عليهم
حين قالت زوجة خليل الحية إنها تمنت موت ابنها ثم استشهاده، توقفت طويلا أمام هذه العبارة. ليس لأنني أبحث في نوايا الناس، ولا لأنني أملك حق الحكم على وجع أحد، بقدر ما شعرت كم تبدو المسافة شاسعة بين لغة تُقال أمام الكاميرا، وبين اللغة التي يعرفها القلب حين يخاف فعلا على من يحب.
أنا، طوال هذه الحرب، لم أتمنَّ الموت لأحد.
كنت أخاف فقط.
كنت أخاف على جميع أهلي، على كل اسم يرتبط بذاكرتي، على كل بيت أعرف بابه، على كل وجه يمكن أن يختفي في لحظة تحت الركام. لم أكن أتابع الأخبار كما يتابعها الناس، كنت أراقب الأسماء. كل اتصال متأخر كان إنذارا، وكل رسالة قصيرة كانت نجاة مؤقتة، وكل قصف كان بابًا مفتوحًا على أسوأ الاحتمالات.
وكان خوفي الأكبر على توأم الروح إيمان.
لا أعرف لماذا كان اسمها يثقل قلبي بهذا الشكل. منذ بداية هذه الحرب اللعينة، كان هناك شعور قابض يسكن صدري كلما فكرت بها. كأن الروح تعرف ما لا تستطيع قوله، وكأن القلب يلتقط الإشارات التي يعجز العقل عن تفسيرها.
ثم وقع ما كان الخوف يهمس به.
سرقتها الحرب. سرقتها هي، وزوجها، وأبناءها الخمسة. وتركت صغيرها، ذو العام الواحد، يتيما قبل أن يعرف معنى الأم، أو يحفظ ملامح وجهها، أو يختزن في ذاكرته دفء حضنها.
كيف يمكن لحرب أن تكون بهذه القسوة؟
أن لا تكتفي بفرد، بل تلتهم عائلة كاملة، وتترك طفلا واحدا يواجه العالم وحيدا؟
منذ ذلك اليوم، وأنا أمضي بين سؤالين لا يفارقانني:
لماذا ذهبوا؟
ولو أنهم بقوا؟
أعرف أن السؤال الأول بلا جواب، وأن الثاني بلا جدوى، لكن القلب لا يعترف بمنطق العقل. القلب يعيد المشهد ألف مرة، يبدّل التفاصيل، يؤخر اللحظة، يفتح بابا للنجاة لم يكن موجودا، ويقنع نفسه أن قدرا آخر كان ممكنا.
أحيانًا أحاول أن أتناسى. أتصرف كما لو أنهم ما زالوا هناك. كأن الهاتف قد يرنّ بصوتها، كأن الصور ليست آخر ما تبقّى، كأن الغياب مجرد تأخير طويل. أحاول الكذب على القلب، لا حبًا في الوهم، وإنما لأن الحقيقة حين تكون بهذا العنف تحتاج أحيانًا إلى ستارة رقيقة كي تُحتمل.
يقولون إن الزمن يخفف الوجع. لا أظن. الزمن لا يخفف شيئًا، بل يعلّمنا كيف نرتّب حزننا في الداخل، وكيف نبتسم أمام الناس بينما نحمل في صدورنا خرابًا كاملًا.
في الحروب، لا يموت الناس مرة واحدة. يموتون كل يوم في ذاكرة من أحبهم. في الكرسي الفارغ، في الصورة المعلقة، في الاسم الذي نتردد قبل نطقه، في طفل يكبر وهو لا يعرف لماذا غابت أمه.
أما نحن الذين بقينا، فنواصل الحياة على مضض. نمشي بأجسادنا فقط، بينما قلوبنا بقيت هناك… في المكان الذي رحل فيه أحبتنا.
هالا حسين
13/05/2026


