حَظ جيّد |

حَظ جيّد

سقط الماء على جسدي دافئًا ساخنًا قليلاً. والعالم لم يختبر النار بعد. 

حظ جيد! 

أن أتوقف عن استخدام “الكيلة”، ألا أضع الماء في وعاء بلاستيكي أتركه تحت الشمس؛ ليصير الماء محتملاً على الجلد. 

حظ جيد! 

ألا أضطر لإشعال النار من أجل الحمام، والبحث في الخراب عما يساعد على الاشتعال. 

أكياس بلاستيكية، دفتر خط فيه الولد كلمة “بلادي” بخط النسخ للمرة الأولى. مشط مكسور، بقايا دمية كانت بنت ترى فيها الناجية من تحت الركام تخيط قماشها الممزق مرة بعد مرة، حتى خلت من اسفنجها وصارت الدمية فارغة من أثر النجاة. 

أو ما يعين البنت على أن تصدق الكذبة “نجت” 

حظ جيد! 

أن يبقى من علب الشامبو ومعطر الجسم البلاستيكية التي تحتال على رائحة الاشتعال ـ عطر يحترق ـ 

وأن يحتمل البنطلون الجينز عدة مرات غسيل بالماء المالح ومن ثم يصير مادة جيدة للاشتعال. 

هذا حظ جيد

أن أجد مساحة للحمام في بيت، وأمتن للحرارة التي جعلت الماء فوق سطح البيت البديل ليحتفظ ببعض الدفء ويمنح يدي فرصة لاستعادة طاقتهما، ويمنحني أن أغسل شعري كامرأة كاملة الأطراف. 

فكل ما حدث يجعلك تدرك صورة مفهوم “البتر” 

حظ جيد! 

أن أحصل على حمام دافئ، ثم أجلس عما قليل بكامل أناقتي الممكنة امرأة كاملة الأطراف في جلسة أحكي فيها عن أثر الحرب على حياة النساء، وعن البيوت التي صارت رماداً في ذاكرتهن. سأبدو مرتبة بما يكفي كي يصدق العالم _ الذي أشتمه في اللاوعي _ أننا قادرين على الحياة بل نحبها. 

لقد كان لدي حظ جيد اليوم! 

أن أغسل شعري بيدي الاثنتين كامرأة كاملة الأطراف تعرف أن اكتمال الجسد مجرد نجاة إضافية حد الرفاهية. 

لكنني أفضل ألا أحكي هذا لعشرة صديقات وشقيقتي وخمسة عشر امرأة التقي بهن خلال الفترة الأخيرة بشكل دوري ويسكن جمعيهن الخيمة الآن تفوح منها رائحة احتراق الأجساد والأرواح 

ولو سكبت السماء كل ماءها لن تطفئ تلك الرائحة.

رائحة الاحتراق. 

حظ جيد 

أن أعرف حقيقة درس “البيئة” في ذاكرة طفولتي الذي أخبرنا بأن الحرارة سببها إهمال الإنسان للبيئة، بينما قد يكون أثر الإنسان الأكثر دهشة حد الفداحة على هذا الكوكب هو احتراقه داخل خيمة!

فداء زيّاد

18/5/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة