مُتلازمة أحمر الشّفاه |

مُتلازمة أحمر الشّفاه

ثمة ما يسمى بالاقتصاد “تأثير أحمر الشفاه” أو متلازمة أحمر الشفاه. حيث يميل البشر في أوقات الحروب والانهيار الاقتصادي إلى شراء أشياء تمنحهم إحساساً مكثفاً بالحياة حتى لو بدت غير ضرورية. 

وقد بدأ استخدام هذا المصطلح بعد أحداث أيلول سبتمبر 2001 بعد أن رصدت شركة “لوريال” التجميلية ارتفاع نسبة مبيعات أحمر الشفاه إلى أضعاف مضاعفة. 

يمكن اعتبار هذه الظاهرة مقياساً صالحاً لحالة حفلات الزواج الباذخة في غزة، حيث المظاهر حد المبالغة أكثر من أيام ما قبل الإبادة. 

لا يمكن اعتبار هذا “صموداً” بالمعنى العاطفي الاستهلاكي، أو رفاهية منفصلة عن الواقع. ربما يصلح لأن يكون أحد أعراض العيش الطويل داخل انعدام الخيارات. إذ فقد الغزي قدرته على تخيل شكل المستقبل، أو المشاركة بشكل هذا المستقبل. والحاضر أكثر شراسة، تصير اللحظة نفسها مشروعاً كاملاً يجب تكثيفه إلى أقصى حد، صوت عرس أعلى، فستان أفخم، صور أكثر. مازال قابعاً في ذاكرتي كيف شاركتني السيدة على العربة صور حفل خطبة ابنها المقيم خارج غزة على عروس داخلها. وكيف استأجرت مكاناً تستعيد فيه لحظة قالت: 

بدنا نفرح، بكفي اللي شفناه. صوتها كان أعلى من ضجيج الشارع المليء بسؤال: 

ثم ماذا بعد؟ 

كأن الناس تحاول انتزاع حياة كاملة من نافذة زمنية لا تتكرر. 

ففي الأماكن المستقرة يبنى الفرح على هدوء ومدى طويل، أما في الأماكن المهددة باستمرار فيتحول الفرح إلى حدث مضغوط مشحون لأن الجميع يعرف أن كل شيء قابل للانقطاع فجأة. 

كثيرون كانوا يخططون لحفلات اعراس مساء السادس من أكتوبر 2023 وفجأة حدث ما حدث. 

ربما تبدو بعض الأعراس أقرب إلى محاولة لتجميد الزمن لا الاحتفال فقط. إذ لا أحد يمتلك ترف التأجيل. 

لا البيت مضمون، ولا العرس أصلاً أو حتى العريس أو العروس أو النجاة نفسها وحين تضيق الحياة إلى هذا الحد يصبح الإفراط أحياناً شكلاً من أشكال العجز لا الوفرة. 

كأن الدقة المفرطة في الطقوس والزينة والاحتفالات هي تعويض عن عدم القدرة على التحكم بالمشهد الكبير في صناعة حدث صغير بتفاصيل باذخة تعوض الفوضى خارجه. 

لكن ربما يبدو الحكم الأخلاقي السريع على هذه الظاهرة وسط هذا ليست كيف يفرح الناس وسط هذا؟ بل ماذا يفعل البشر حين يسلب منهم الاحساس بالاستمرارية، كيف يتصرف مجتمع يعيش طويلاً تحت تهديد الفقد بينما يُطلب منه في الوقت ذاته أن يتصرف كأن المستقبل مضمون. 

فقد لا يكون فعلاً أحمر الشفاه دليل وفرة، بل دليل خوف عميق من أن تمر الحياة دون أن تعاش مرة واحدة على الأقل بصورة كاملة.

أو زي ما كانت تقول ستي: “حنة ع صنة!”

صباح الخير من دون زغاريد!

فداء زياد

٢١/٥/٢٠٢٦

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading