قبل أسبوعين، اختفى “البوكسر” عن حبل الغسيل.
كنتُ أستعد صباحاً لأخذ “دوش” بالجردل والكيلة، فتحول الصباح إلى سيلٍ من الغضب والشتائم واللعنات على الحارة والبلد، ولم أتوقف عن ذلك إلا اليوم.
وأنا خارج من باب البيت، استوقفني ولد لا أعرفه، واقف عند أول الزقاق. كان نحيلاً، ثيابه أكبر من جسده، وملامحه أكبر من عمره بكثير. قال لي:
“عمو… بدي أحكيلك إشي.. بس احلف إنك تسامحني”.
قلت بضيق: “انجز.. مش متحمل حالي”.
أصر: “احلف تسامحني”.
حلفت -لأخلص منه وأكمل مشواري- فمد لي يده؛ كانت فيها عشرة شواكل “فكة”، مرتبة داخل كيسٍ صغير مربوط بخيط.
سألته: “شو هاد؟”
قال بهدوء: “حق البوكسر!”.
سكتُّ للحظة مذهولاً، فأضاف:
“أنا اللي أخدته من على حبل الغسيل”.
هذا محمد، عمره 12 عاماً، يعيش مع أبيه فقط. أمه وإخوته الثلاثة استشهدوا في الأسبوع الثاني من الحرب، بعد قصف بيتهم شمال غزة. ومنذ ذلك الوقت، صار هو وأبوه وحدهما. الأب في الثالثة والخمسين، أصيب بشظية في ظهره، لا يستطيع الحركة، يقضي يومه على كرسي متحرك، أو على فرشة بالية داخل خيمةٍ من نايلون وشوادر وخشب، في أحد الأحياء المدمرة.
قال لي محمد: “المي بتجينا كل كم يوم بسيارة… وأول إشي بنفكر فيه نشرب، مش نغسل”. ثم صمت وأضاف: “أبوي صار عنده جروح والتهابات وتسلخات… ما في غسيل ولا تغيير ملابس. صرلنا شهر ما دخلت سيارة مي منطقتنا، واضطريت أتداين كل يوم جالون بـ 3 شيكل”.
صمتَ لحظةً ثم قال: “لما شفته بيتوجع كل يوم… أخذت البوكسر من الحبل”.
سألته: “ليش ما خبطت على الباب وطلبت مني؟”
أجاب: “أبوي علمني ما أشحت”.
ثم أشار للنقود وقال: “عشان هيك جمعت حقه الأسبوعين اللي فاتوا”.
سألته: “طب أبوك محتاج علاجات وأدوية، مش بوكسر نظيف وبس”.
رد بكسرة: “بقدرش على سعر الأدوية”.
عرفتُ لاحقاً أن محمد كان يعمل في أي شيء؛ يكسر خشباً، يحمل أغراضاً، يقدم مساعدات بسيطة للناس… شيكل شيكل، وكان يرجع كل يوم يضع النقود تحت مخدة أبيه، وفي الصباح يعيد أخذها معه لكي لا تضيع.
أعدتُ له النقود، فرفض بشدة، وقال بصوتٍ ثابت:
“إذا ما أخذتهم… بضل حاسس حالي حرامي”.
ساعتها فهمت أن الموضوع ليس سرقة، بل طفل يقاتل ليحافظ على كرامته، رغم أنه يرزح تحت ثقلٍ أكبر من الجبال. طفل خسر أمه وإخوته، وما زال يحاول أن يظل “إنساناً” بكل ما أوتي من عناد.
قدمتُ لمحمد هديةً بسيطة له ولأبيه، لا تساوي شيئاً أمام واقعهم المرير. ورغم بؤسهم وفقرهم، إلا أن محمد ووالده كرماء جداً، لا يتوقفان عن الضحك وسرد النكات والمواقف الغريبة في نزوحهم.
وأنا مغادر، مازحت محمد: “دير بالك، لسا أنت مديون لي بـ 40 شيكل، لأني شريت الجوز بـ 100 شيكل أيام القحط والغلاء!”.
ضحكنا طويلاً، وغادرتهم على وعدِ لقاءٍ قريب.
في طريق عودتي، تحول غضبي من فقداني لـ “بوكسري”، إلى سخطٍ عارمٍ على هذا العالم الحقير الذي جعل من حياتنا -وحياة أطفالنا- جحيماً فوق جحيم…
جحيماً لا ينتهي.
رائِد إشنيوره
06/06/2026


