عن أبي المُنتَصِر دائماً |

عن أبي المُنتَصِر دائماً

 الآن عرفت كيف كان أبي ينتصر في معارك الدنيا..

وكيف كان ينجو من موج البحر..

وكيف كان يبدو في عيوننا جبلًا.. وعملاقَ احتمال.

إليك يا أبي ما عرفته عنك بعد أن صِرتُك..

لقد حفرَت فيك التجارب فجواتٍ كثيرة.. حتى صرت إسفنجةً بشرية.. تمتص كل شيء.. ولا يبدو عليها شيء! لا يبدو عليها سوى بريق البلل.. ليس إلا!

وكنتَ حينما يشتد الموجُ تترك جسدَك للموج! ليكن ما يشاء!.. الغرق؟.. حتى الغرق ذاته.. سأمسكه من عنقه وأغمره في الماء حتى يغرق!

هكذا كانت روحك تقول!

وهكذا صرتُ أقول!!

وكنتَ مستعدًا لاحتساء قهوتك على قمة موجة!

هكذا أنت كنت!

وهكذا أنا.. صرت!

يصيرُ الرجال باردين جدًّا ذات عمرٍ يا أبتِ! نعم.. باردين وبُلداء.. بلادة من يعرف ما وراء صوت الغول من هشاشة.. لا بلادةَ من يجهل صوت الغول!

وقد وصلَتْ بك مرارة الحياة إلى منتهاها تمامًا ذات تجربة.. ذات تجارب..

فأصبحتَ تقول عند كل فقدانٍ للذات: هه! وماذا بعد؟! لن يكون أسوأ مما كان! فليكن ما يكون.. حتى الغرق ذاته.. سأمسكه من عنقه وأغمره في الماء حتى يغرق!.. وتضحك.. وتنتظر.

ثم تترك العنان لِذَاتك المفقودة وتتكئ على مكتبك وتكتب نصًّا.. أيَّ نص.. لتزجية الوقت ليس إلا.. إلى حين عودة ذاتك المفقودة.. إليك!

الآن يابوي.. وقد كنتَ تظنني ضعيفًا.. أصبحتُ أنت!

باردَ الخوفِ مثل دبٍّ قطبيٍّ يعرف أعماق طبقات الجليد كلها.. ويعرف بالضبط أين يضع قدميه.

يحتسي قهوته على قمة موجة..

ويتمرن على السخرية..

ويمارس الثقة المستفِزَّة!

يقرأ كتابًا كل دقيقة.. ويكتب نصًّا كل ثانية.. ويُمسك الغرق من عنقه المائيِّ المخادع.. ويغمره في الماء حتى يغرق.

محمد العكشية 

١٤/٦/٢٠٢٦

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة