بَكَيتُ لِأنّني تَعِبتُ من البُكاء |

بَكَيتُ لِأنّني تَعِبتُ من البُكاء

بَكيت بينما كنت أمشي في الشارع، ليست دمعات قليلة، أو بكاء أقدر على أن أمسكه قبل أن ينهمر، إنه بكاء بكاء، رغم أنه لم يحدث أي شيء، لا غارة جديدة، لا قريب أو صديق استشهد للتو، ولا تهديد بإخلاء، لا مطر أغرق الفراش، ولا حرّ سلخ جلدي، لست جائعة، ولست عطشى..

الغريب أنني عندما كنت تحت وطأة كل هذا، لم أكن أبكي، كنت أواصل المشي والركض صامتة، كأنني إنسان من ساقين، ساقان تركضان فقط.. فلماذا أنفجر بالبكاء الآن؟ وبكل هذه الحرية، أمام الأعين الحزينة التي لا تبكي !!

أمشي، نحو طريق لا أعين تلتفت نحوي فيها، أبكي بغزارة، كأنني نبع وانفجر، كأنني تعلمت البكاء الآن، أبكي الماضي، والحاضر، والغد.. الغد الذي أكل البؤس عمري وأنا أنتظر مجيئه، ولم يأتِ..

أبكي رغيف الخبز النظيف وكوب الماء العذب اللذين كانا في وقت ما كل ما أتمنى، أبكي الـ ٥٠٠ متر التي كنت أمشيها لمدة أسبوعين من أجل استخدام حمام.

أبكي كل الذين فقدتهم في الحرب وأنا أمشي في طريقي هاربة من قذائف وشظايا استقرت في أجسادهم..

أبكي لأنني عجزت عن النوم ليلة أمس، ليس بسبب صوت الزنانة، ولا لحزني الذي يأكل قلبي، ولا لأفكاري التي تكاد أن توصلني إلى الجنون.. بل بسبب بعوضة.

أبكي لأنني عاجزة عن شحن هاتفي بعد أن فقدت شاحنه، ويقول لي البائع بكل برود: ثمن الشاحن الجديد مئة دولار..

أبكي لأن ثمن لقائي بخطيبي ٢٧ ألف دولار.

أبكي لأنني أكره الدولار، وكل شيء في حياتنا صار بالدولار، ولأنني لا أملك دولارًا واحدًا.

أبكي لأنني تعبت. تعبت من لوم الأحباب لبكائي فهم يرونني أحسن من غيري، لم أفقد في الحرب أمي وأبي وبيتي كله، أبكي لأن هناك أشياء تبكيني لا يعرفها أحد عني، ولا أستطيع أن أبوح بها، أبكي لأنني تعبت من البكاء والمشي، وهذا الطريق الطويل الممتد كصحراء من الركام، حيث لا يوجد حتى كرسي واحد لأُجلِس عليه تعبي.

شُروق دُغمُش

19/06/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة