شَمل لَم يَكتَمِل |

شَمل لَم يَكتَمِل

“هذه الرواية ليست فقط قصتي، بل قصتنا جميعًا، نحن أبناء فلسطين الذين نكتب كي لا نموت بصمت”، علاء مطر

مثل هاليوم قبل سنتين، حصلت على فيزا لمّ الشمل لسارة ونداء، ولسه بتذكر هاليوم بكل تفاصيله ولحظة بلحظة، لأنه كانت أخر مكالمة الي مع سارة.

من الصبح راحت نداء على منطقة عالية عشان تلاقي شبكة إنترنت، عشان أطمن عليهم، وسارة تحكي معي، كانت سارة مبسوطة بشكل كبير لأنهم أخيرا أكلوا كباب، قبلها بيوم كانت تحكيلي يا بابا نفسي فيه، وزمان ما أكلنا، وحكولي إنه موجود عند “الشوّا” في الشجاعية “كباب” بس غالي كثير، قلتلهم: “روحوا كلوا، مهما كان سعره، وكلوا واشبعوا”.

ولما شفتها عالكاميرا، كانت طايرة من الفرحة، وكعادتها، كانت تحب تفرحني وتشاركني كل إشي حلو بصير معها.

حكتلي:

“يا بابا، أخيرا أكلت كباب وشبعت أنا وماما”.

بعدين سكتت شوي وقالت:

“بس يا بابا، قصفوا روضتي، وأنا زعلانة كثير، كيف بدي أشوف صحباتي؟”.

في مدرسة أطفال بعيدة عن بيتي 100 متر، رحت المدرسة وفاتح الكاميرا، والغريب إنه لأول مرة من سنة كاملة كان النت قوي، وشافت المدرسة وانبسطت بشكل ما بنساه طول عمري.

قلتلها: “هاي رح تكون مدرستك يا سارة، وهدول الأطفال رح يصيروا صحابك وزملاتك، وهان اطمني ما في قصف، ولا خوف، ولا صوت طيارات، هان رح تكوني جنبي، وأنا رح أستناكي كل يوم ع باب المدرسة، من أول ما تدخلي الصبح لحد ما تخلصي دوام”.

كانت فرحانة بشكل ما بينوصف.

ضحكت وقالت:

“بحبك يا بابا”.

وبعتتلي بوسة، وحضنتني عالجوال كعادتها، وضليّنا نضحك ونحب في بعض أكثر من ساعة، وطفينا حتى يرجعوا البيت.

بعد نص ساعة من المكالمة، وصلني إيميل، فيزا نداء وسارة.

صرت أنط من مكاني من الفرحة، حاولت أتصل عليهم مرة ومرتين وعشرة، بدي أفرّحهم، بدي أحكيلهم إنه خلاص، طلعت الفيزا، قربت نجتمع.

بس كانوا رجعوا عالبيت، وما كان في شبكة اتصالات، وما كان في نت، وما قدرت أوصلهم.

بعد 24 ساعة بالضبط، صار القصف، ووصلني خبر “استشهدت سارة ونداء وكل أهلها!!”.

راحوا قبل ما يعرفوا إنو الفيزا اللي حلمنا فيها سنين طلعت أخيرا، ومن يومها راحوا، وضلت الأسئلة الي بتاكل قلبي:

ما دام حيروحوا للأبد، ليش إجت الفيزا قبل استشهادهم بيوم؟

ليش بعد كل هالانتظار انفتح الباب باللحظة اللي ما عاد يقدروا يفوتوا منه؟

وليش راحوا أصلا؟

وعشان مين؟

وشو كان ذنبهم؟

وشو الثمن اللي راحوا عشانه؟

مرّوا سنتين، ولسه لليوم، فقدهم بيوجع وبيحرق حرق، والي بيوجع أكثر إنه ما قدرت أحكي لسارة أكتر خبر كانت بتستناه.

ما قدرت أحكيلها:

يا قلب أبوكي، طلعت الفيزا، وقريبا حأحضنك وأشم ريحتك.

علاء مطر

٢٢/٦/٢٠٢٦

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة