إلى باسِل |

إلى باسِل

يا زهرةَ الرمان، يا عودَ الريحان، يا بطلَ هذا الزمان.

إلى روح الشهيد باسل.. عامان على الغياب، وما غبتَ يوماً عن القلب، فما زالت ذكراك حياةً، وما زال حبُّك وطناً لا يشيخ.

لم تعد المدينة كما تركتها، وأنا أيضاً لم أعد كما كنت. فالألم والفقد والانهيارات التي مرّت بي خلال عامين من الخسارات المتتالية، جعلتني إنساناً آخر، وغزّة بدورها خلعت جلدها القديم وتلوّنت بالرماد.

غير أن الفقد الأكبر لم يكن في الحارات المهدّمة، ولا في البيوت المدمّرة، بل كان في داخلي.

كل زاوية في غزة تذكّرني بك، بل كأن المدينة كلها أصبحت صورتك وظلك. أمشي فأراك يسير إلى جانبي، أسمع ضحكتك، تلك الضحكة التي جمعت بين الجدية والدفء. أراك جالساً أمام كوب القهوة الذي كنت تعدّه بنفسك كل صباح، ونجلس لنتحدث في السياسة، أو نختلف ونتفق حول مباراة لبرشلونة، الفريق الذي أحببته بشغف الأطفال وإخلاص العاشقين.

لم تكن مجرد ابن لي، بل كنت صديقي ورفيقي وصوت العقل في البيت. كنت عاشقاً للبحر والسباحة، تركض نحوه كلما اقتربت منه، كأنك تعرف أن البحر وحده يتسع لأحلامك. وكنت تكتب النصوص الأدبية والتحليلات السياسية بوعي يفوق سنوات عمرك، وتؤمن أن الكلمة موقف، وأن الوطن يستحق أن يُكتب عنه كما يُدافع عنه.

عامان مرا، لكن الزمن في غزة لم يعد يُقاس بالأيام، بل بالشهداء. خلالهما رحل آلاف الأحبة، وسقطت أحياء بكاملها، وتبدلت وجوه المدن، وأصبحت أسماء كثيرة مجرد صور معلقة على جدران الذاكرة. ومع كل هذا الخراب، بقي غيابك هو الجرح الأول الذي لا يلتئم، وكأن القلب حين يتلقى الضربة الأولى يعجز عن التعود على ما بعدها.

كنت أظن أن الوقت يخفف وطأة الفقد، لكنني اكتشفت أن الوقت لا يفعل سوى أن يعلّمنا كيف نحمل أوجاعنا بصمت. يكبر الغياب، لكن تكبر معه أيضاً الذكرى، ويزداد حضورك في التفاصيل الصغيرة؛ في حديث عابر، أو رائحة قهوة، أو موجة بحر، أو أغنية كنت تحبها، أو كلمة كنت ستقولها لو كنت هنا.

يا باسل

لم تمت في قلبي، ولن تموت. أنت حاضر في كل ما أكتب، وفي كل موقف أتمسك فيه بالحق، وفي كل لحظة أقاوم فيها اليأس. تركت لنا من سيرتك ما يكفي لنؤمن أن الإنسان قد يغيب جسداً، لكنه يبقى ما بقي أثره الطيب في الناس، وما بقي الحب يسكن قلوب من عرفوه.

سلام عليك في عليائك، وسلام على روحك الطاهرة، وسلام على كل الشهداء الذين سبقونا إلى الخلود.

رحمك الله يا حبيب القلب، وجمعنا بك في جنات النعيم.

مُصطفى ابراهيم

٢٧/٦/٢٠٢٦

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة