من أكثر التعليقات إثارة للاستغراب ذلك الذي يقول: “لماذا كل هذا الحديث عن غزة؟ السوريون قُتل منهم أكثر، والعراقيون واليمنيون والسودانيون أيضاً عانوا، فلماذا كل هذا التركيز على الفلسطينيين؟”
هذا الخطاب لا يدافع عن ضحايا الحروب الأخرى، بقدر ما يكشف خللاً عميقاً في فهم قيمة الإنسان. فهو يفترض، دون أن يدرك، أن كثرة المآسي تُنقص من أهمية المأساة الجديدة، وأن وجود ضحايا أكثر في مكان آخر يجعل معاناة الضحايا هنا أقل استحقاقاً للاهتمام.
لكن هل تُقاس حياة البشر بهذه الطريقة؟
لو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لما بقي لأي شعب حق في الشكوى من الظلم، لأن هناك دائماً شعباً عانى أكثر. ولما كان لأي أم حق في البكاء على طفلها، لأن أماً أخرى فقدت ثلاثة. ولما جاز لأي مدينة أن تستغيث، لأن مدينة أخرى دُمّرت قبلها.
هذا ليس تعاطفاً، بل إلغاء للإنسان.
والأخطر أن هذا الخطاب يطبع مع الكارثة. فبدل أن تكون مآسي سوريا والعراق واليمن والسودان درساً يدفعنا إلى منع تكرارها، تتحول إلى ذريعة لتقبّل مأساة جديدة. وكأن الرسالة الضمنية هي: “هكذا هي الحروب، اعتادوا عليها.”
لكن الحروب لا تصبح طبيعية لأنها تكررت، والإبادة لا تصبح أقل بشاعة لأن العالم شهد مذابح قبلها.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمقارنات. فالطفل الفلسطيني ليس أقل قيمة لأن طفلاً سورياً قُتل قبله، كما أن الطفل السوري لم يكن أقل قيمة لأن أطفالاً في رواندا أو البوسنة قُتلوا قبله. المآسي لا تلغي بعضها، وإنما تتراكم، وكل واحدة منها تستحق أن تُدان لذاتها.
ثم إن استحضار مآسي الشعوب الأخرى لا يجيب عن السؤال الحقيقي: كيف نحمي المدنيين اليوم؟ وكيف نوقف القتل؟ وكيف نخفف معاناة الناس؟
فالقول إن “غيركم مات أكثر” لا يوقف قذيفة، ولا يطعم طفلاً جائعاً، ولا يعيد بيتاً دُمّر، ولا يواسي أماً فقدت أبناءها. إنه لا يفعل شيئاً سوى مطالبة الضحية بالصمت، بحجة أن غيرها تألم أيضاً.
ولعل أخطر ما يكشفه هذا الخطاب هو اعتيادٌ مرعب على الموت. فبعد سنوات من الحروب، فقد كثيرون حساسيتهم تجاه قيمة الحياة البشرية، وأصبح عشرات الآلاف من القتلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار، لا بشراً كانت لهم أسماء وأحلام وأسر.
ما كان ينبغي أن تعلمنا إياه كوارث المنطقة هو العكس تماماً: أن كل مأساة تجعلنا أكثر رفضاً للمأساة التالية، لا أكثر استعداداً لتبريرها. فالألم لا يُقارن، والحقوق لا تُوزع وفق حجم الكارثة، والإنسان لا يفقد حقه في الحياة لأن غيره مات قبله.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع أن يتحول الاعتياد على المأساة إلى فلسفة، وأن يصبح الألم السابق حجة لإسكات الضحايا اللاحقين.
هالا حسين
١٧/٧/٢٠٢٦


