إلى عزيزتي بادية
منذ أيام أجلس أراقب بصمت بلكونتك التي تشاركينني إياها من بيت صغير في كندا، بخلفية ثابتة، بينما تتبدل الأغنيات. كأن في الأغنيات التي ترسلينها ما يدل على النجاة، ما زلت أعيد اكتشاف معنى النجاة. أفتش عنها في الخيال، وفي الحب، وفي الحنين، وفي الذكريات، ولا أعرف أين يستقر معناها. ربما النجاة، كالحب، لا تعريف نهائيًا لها، كالأمل لا صورة واحدة، بل صور تتبدل كلما ظننا أننا أمسكنا بها.
يبدأ الصباح هناك، في بلكونتك بكندا، بينما تستلقي الشمس هنا في سريرها البحر أمام بلكونتي الصغيرة في دير البلح.
أراقب الغروب، فيأخذني دائمًا إلى البيت.
لكن أي بيت؟
البيت الذي أقيم فيه اليوم لم أختره، وكذلك البيت الذي فقدته لم أختره. الأول ورثت ضرورته، والثاني ورثته منذ ولادتي. لم أختر السودانية، كما لم أختر دير البلح. الأولى نشأت فيها حتى صارت تشبهني، والثانية فرضتها الحرب حتى صرت أعيش فيها. فإذا كان الأول قد اختارني، والثاني فرض نفسه علي، فأين المكان الذي اخترته أنا؟
ما زلت أذكر بحة صوتك في مارس 2025 حين قلت لي: “مش مهم البيت… إنتِ قادرة تصنعي زاوية دفا وين ما كان.” حين أخبرتك أنني استطعت ايجاد بيتاً بديلاً عن بيتي المفقود في مدينة غزة
ولا أعرف يا بادية.
ليس لأن كلامك لم يكن صحيحًا، بل لأن الحرب كسرت الفكرة نفسها. منذ ذلك الوقت، صارت الحقيبة أكثر ثباتًا من الخزانة، وصار الخروج أكثر الاحتمالات حدوثاً. صار الاستقرار يبدو صورة بعيدة من صور النجاة، لا نعرف إن كانت موجودة فعلًا أم أننا اخترعناها كي نستطيع الاحتمال.
لهذا يطاردني السؤال:
هل يحق للإنسان أن يختار بيته؟ أم أن العائلة، والظروف، والحرب هي التي تختار عنه دائمًا؟
أخشى أن أعتاد هذا الشعور. أن أتوقف عن السؤال: أين بيتي؟ ويصبح السؤال: ما البيت أصلًا؟
أثبت أغنية “إنت عمري” وأراقب الشمس وهي تهبط ببطء نحو البحر. تبدأ الأغنية كارتجاج خفي في الوقت، كأن الزمن فقد صوته واستعار صوت اللحن وفي لحظة ما لا يبقى شيء مستقرًا. يذوب ما ظننته صلبًا، وتفتح الموسيقى شبابيك في صدري على ذاكرة لا أعرف إن كنت عشتها، أم ما زلت أنتظرها.
وحين تقول أم كلثوم: “رجعوني…” لا أسمعها بوصفها كلمة في أغنية، بل سؤالًا عن كل ما لا يعود: البيوت، والأماكن، والنسخة القديمة من أنفسنا. ثم تسقط الشمس في سريرها.
وأغص بالسؤال: هل ينتمي الإنسان إلى المكان لأنه اختاره، أم لأنه عاش فيه بما يكفي ليترك جزءًا من نفسه هناك؟
ربما لهذا أربكني اختيارك اليوم سيرة البيت بكل هذا الوضوح. كان يمكن أن تبقي مختبئة خلف بلكونتك، وأبقى أنا مختبئة خلف بلكونتي، من دون أن نكشف هشاشة حاجتنا إلى بيت لم تعد الحرب تكتفي بهدمه، بل هدمت معناه أيضًا.
من ذا الذي يجرؤ أن يقول إن خلف الأغنيات التي ننجو بها تختبئ هشاشة حاجتنا إلى البيت؟
إلى ذلك البيت الذي صار ذكرى، معلقة بين بلكونتين:
واحدة في كندا، وأخرى في دير البلح.
إلى عزيزتي بادية التي لا تكف أن تمنحني شكلاً من أشكال مفهوم النجاة.
فِداء زيّاد
18/07/2026


