الوَلّاعة وَ"الكود" |

الوَلّاعة وَ”الكود”

أجلس الآن على كرسي مكسور، أُسند جهاز اللاب توب إلى حجري. تلسعني حرارة الجهاز، وحرارة الطقس. الخيام في هذا الطقس أفران تطبخ أجساد النازحين 

أحاول ترتيب إصداري الأدبي الجديد.

تنادي علي زوجتي بنبرة الغاضب:

“قوم عمر الولاعة، أو تشتري ولاعة تانية .”

أتجاهل النداء، وأواصل الكتابة. تلسعني الحرارة، وتلسعني معها الطلبات المستحيلة.

الولاعة في غزة طلب مستحيل؟!

نعم.

المدينة الآن بلا ولاعات، وإن وجدت، فسعرها يقترب من سعر أسطوانة غاز في دول الجوار.

يمازحني أحد أصدقائي على الخاص، تعقيبًا على الحلقة التي استضافني فيها بودكاست حكي البلاد 

“لقاء مميز وجميل… وأنا منسجم بالحديث خربت الولاعة، وأنا الآن مطالب بتصليحها أو شراء وحدة تانية : 

أكتب له، بينما يزداد غضب زوجتي في الداخل:

“اشتر لي معك ولاعة أخرى.”

ثم أعد زوجتي بأنني سأذهب إلى السوق هذا المساء، لعلني أستطيع إصلاحها.

يرد الصديق:

“سأشتري لي ولك واحدة… إذا نزل الكود.”

ولترجمة السطر الأخير للمتابعين من خارج غزة:

“الكود” هو مخصص مالي مقطوع يُرسل عبر رمز يصل إلى هواتف بعض النازحين كمساعدة إنسانية، مرة كل ثلاثة أشهر تقريبًا. ويفرح به الناس هنا فرحًا كبيرًا، لأنه قد يحل، ولو مؤقتًا، مشكلة من مشكلات الحياة التي لا تنتهي.

وبالمناسبة، منذ نزحت لم أتلق الكود ولا مرة، لأسباب لا أعرفها.

وهذا المساء، أنا مطالب بتوفير ولاعة لأسرتي، وإلا فلن نستطيع إشعال النار.

ماذا نفعل، والحياة تصر على أن تحشرنا في زاوية التفاصيل؟

تفاصيل سخيفة جدا . عادية جدا في بقية البلاد، لكنها في بلاد الحرب قد تحدد إن كان العشاء سيطهى أم لا، وإن كانت الأسرة ستشرب كوبًا من الشاي، أو ستقضي ليلتها تنتظر معجزة صغيرة اسمها: ولاعة.

د.سعيد محمد الكحلوت 

أخصائي الصحة النفسية وكاتب 

غزة فلسطين

٢٠/٧/٢٠٢٦