السنة الي فاتت، كتبت نص لملك في ميلادها، والسنه هاي قررت افتح قلب هادا النص، رح اضيف كل سنة مقطع العام الخاص فيه ولن اتوقف عن الكتابة لها كل ميلاد حتى الابد..
بمناسبة ميلادها التاسع..
** تسع حكايات عن مَلَك ..
(1)
في تمام الثامنة من صباح 28 تموز 2017،
شممتُ رائحةَ الجنة لأول مرة
لم يكن خبزًا ساخنًا، ولا مطر أول الشتاء
كنت أنتِ
خرجتِ من رحم الحياة كأنكِ وصيةُ الله
حين أوحى لي: “احضنها جيدًا، فإنها لك سدرة المنتهى”
فتحت عينيك كأول اللحن
وشعرتُ أنا، الأب المنهك
أنّي أُولدُ معكِ
وأنّ اسمي الآن: أبو مَلَك
لا شيء يُلزمكِ بالحب
إلا هذه الرائحة التي تشبه اسمك
(2)
أسميتك ملك
اسم الله الآخر، حين يريد أن يتخفى في جسدٍ صغيرٍ يشبه الضحكة
لم أكن أعرف أن قلبي يتّسع لطفلةٍ تمشي على أهدابي
وتسألني:
ليش الناس بتبكي؟
فأجيبها بقلبي
لأنهم ما عرفوش يحبو زيك..
بنيتُ لكِ بيتًا من خصلات شعرك الكيرلي
حصنًا من ضحكتكِ
كنتُ أعدّ خطواتكِ كأنها صلاة
أحمل حقيبةَ روضتكِ
كأنّي أحمل البلادَ على ظهري
وفي مساءٍ لم يكن فيه قصف، ضحكتِ
فانشق القمر
كل ما قبلك مؤقت
كل ما بعدك صار لك
ضحكتكِ
بوصلة روحي حين فقدت كل شيء لتدلني
وتدللني..
(3)
كبرتِ… تسع سنواتٍ من الحنان المحاصر
تدربتِ خلالها على الرسم، والهرب من الانفجارات
على اللعب بالدمى، ودفنها تحت الركام
على عدّ الشموع، وعد الشهداء
طفلتي يا ابنة الحرب…
كل سنة تمضي، تشبهُ رصاصةً لم تصبك
كل صباح، تضعينَ التاجَ الورقي على رأسكِ
وتلعبين: أنا الأميرة!
ثم جاء الجنود
سرقوا التاج…
وصرخوا “الحرب ليست لعبة”
لكنها أخذت دبكِ القطني
وغرفتكِ
وصورتكِ معي على الحائط
(4)
كم تمنيتُ، يا قمري الصغير
لو كانت الدنيا ليست حربًا
لكنتُ الآن أعلّق زينةً من نجوم فوق السماء
وأقيم لك حفلاً في غيمة
وندعو كل عصافير غزة
ليغنّوا لك: “سنة حلوة يا ملكة الحلوين”
ثم نطير فوق البحر
ننفخ الشموع، وتضحكين حتى يسكت العالم
(5)
سجلتك في شهادة الميلاد: 27 تموز
لكنك في الحقيقة ابنة 28
وأنا أعرف ،، كما أعرف موتي
أنكِ وصلتِ مع الضوءِ
الساعة الثامنة صباحًا
تمامًا حين سكت الرصاص
ليسمعكِ تبكين لأول مرة
فأبكي أنا… لأنجو
(6)
أحببتكِ قبل التكوين
لكنكِ أحببتِني بعمقٍ يشبه صلوات الأنبياء
حين تنادينني بابا
أشعر أنني رجلٌ خُلق من جديد
وأن الجوع، والقصف، والخراب
كلها أكاذيب…
لأنكِ تنظرين لي وكأنني بطل العالم
(7)
كلما احترقت غزة
أحضنكِ أكثر
أزرعكِ في صدري نخلة
وأقول للسماء: “خذيني، بس خَلّي هالرطبات”
أنا حارس أحلامكِ الصغيرة
ومزارعُ حروفكِ الأولى
وسقفُ غرفتكِ الذي بقي تحت المدافع
كنتُ أحفظ أثر حذائكِ الصغير كي لا أنسى اتجاه الطريق
كانت أصوات الطائرات تغطي على اسمك
لكني ظللت أكتبه على الحيطان
أهمس به في الآذان
لتجعلي للموت طعمًا من سُكر
(
في عيدكِ الثامن
أعدكِ أن أكتب لك كتابًا لا تحرقه الإبادة
وأجمع قصاصاتكِ من الحلم
أخبئها في قلبي
حتى إذا كبرتِ، وقرأتِ هذه الحكايات
تعرفين أن والدكِ لم يكن شاعرًا فقط…
كان عاشقًا، وطفلاً، وكونًا كاملا
اسمه: مَلَك ..
(9)
هذا العام، يا ابنتي، أخذتكِ إلى البحر
بحرنا ..
شاهدنا الوحيد الذي لم يتعلم لغة الرصاص
والحدودة الوحيدة التي لم تغلقها الدبابات
جلسنا على حافة الحكاية
ننظر إلى الأفق البعيد كأننا ننتظر سفينة ورقية صنعناها معاً من صبّار القلب
تسع سنوات من العُمر وأنتِ ترتدين الحياةَ درعًا وتزرعين الضحكات في شقوق الجدران المنهارة
تلعبين الكاراتيه، كما تلعبين بالكمنجة
لكن هذا البحر المالح.. يا روح أبيكِ..
سيكون اليوم وداعا طويلا
ونافذة مفتوحة على حلم أوسع
في عيدك القادم
سنطفئ الشموع على شاطئ آخر
حيث الموج، موج
والسماء زرقاء
والغيوم قطن ومارشميلو
ليكن ميلادك مجرد عيد
لا هدنة صغيرة من الحرب
أمنيتي ..
أن تخرجي من هذه المحرقة كاملة
مشدودة القامة كسنبلة
بكامل طفولتك التي جعلت القنابل، مجرد نكات سمجة..
كل عام وأنت الحكاية..
وأنتِ أطهر ما تبقى من بلادنا المتاحة
فالعالم الذي لا يعرف كيف يحبكِ
ليس كبيرًا بما يكفي ليكون وطنًا.
رائِد اشنيوره
29/7/2026


