المشكلة ليست في أن بعض العرب يدافعون عن المقاومة، وإنما في أنهم لم يعودوا يرون غزة إلا من خلالها. بالنسبة لهم، لا وجود لإنسان اسمه الغزي، ولا لطفل قُتل، ولا لأم دفنت أبناءها، ولا لعائلة مُسحت من السجل المدني. كل ما يرونه هو “المقاومة“، وكل ما عداها تفاصيل هامشية.
لقد تحول الدم الفلسطيني، عند قطاع واسع من الخطاب العربي، إلى مادة خام لتغذية الخطب الثورية. كلما ارتفع عدد الضحايا، ارتفع منسوب البلاغة. وكلما ازداد الدمار، ازدادت الشعارات رنينًا. أما الإنسان نفسه، فقد اختفى من المشهد.
اقرأ التعليقات المتداولة بعد هذه الكارثة، وستجد العقل نفسه يتكرر بصيغ مختلفة. يقول أحدهم: “كانت لدى المقاومة رهانات وخسرت.” وكأن الحديث يدور عن صفقة في البورصة، لا عن شعب دُمِّرت مدنه وقُتل عشرات الآلاف من أبنائه. كلمة “رهانات” وحدها تكشف حجم المأساة، فهي تعني أن قيادة ما وضعت حياة أكثر من مليوني إنسان على طاولة مقامرة سياسية وعسكرية، ثم يُطلب منا، بعد فشلها، ألا نسأل من راهن، ولا لماذا راهن، ولا من يتحمل مسؤولية الخسارة.
ثم يأتي التبرير التالي: “لم تُهزم المقاومة، بل خانها العرب.” قد يكون الموقف العربي مخزيًا، لكن هل يُبنى قرار مصيري على أمل أن الآخرين سيتحركون؟ إذا كانت الخطة قائمة على تدخل لم يحدث، فهذه ليست خيانة الآخرين فحسب، بل خطأ جسيم في تقدير الواقع. والسياسة تُحاسب على قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
وحين تضيق الحجج، يبدأ استدعاء التاريخ والدين. فجأة يصبح كل نقد تكرارًا لموقف من خذل الحسين، أو من تخلى عن علي رضي الله عنه. تُستحضر أعظم المآسي الإسلامية لإضفاء قداسة على قرار سياسي معاصر، وكأن القيادات المعاصرة أصبحت فوق المساءلة لأنها استعارت رموزًا مقدسة. إنها حيلة بلاغية فعالة، لكنها لا تجيب عن السؤال الوحيد الذي يهم أهل غزة: هل كان القرار مدروسًا؟ وهل كانت هناك خطة تحمي الناس إذا انهارت الحسابات؟
الأخطر من ذلك هو اللغة التي تُستخدم ضد كل من يطرح هذا السؤال. فليس هناك مواطن مفجوع يطالب بالمحاسبة، بل “انهزامي“. وليس هناك أب فقد أبناءه ويسأل عن جدوى ما حدث، بل “لا يفهم معنى المقاومة“. أما من يرفض تحويل البشر إلى وقود لمعارك مفتوحة، فيصبح “رمّة” أو “عدوًا للمقاومة“.
هكذا لا يعود النقاش سياسيًا، بقدر ما يتحول إلى محكمة تفتيش أيديولوجية، حيث لا يُناقش الرأي، وإنما تُدان نوايا صاحبه.
ثم تُطرح الثنائية المبتذلة: “ما البديل؟ الاستسلام؟” وكأن العالم لم يعرف عبر تاريخه إلا خيارين: حرب شاملة أو خضوع كامل. هذا ليس نقاشًا، هذا ابتزاز فكري. فالتاريخ مليء بأشكال المقاومة السياسية والقانونية والشعبية والدبلوماسية والاقتصادية، لكن أصحاب الشعارات يرفضون الاعتراف بذلك، لأن الاعتراف به يعني أن خيارهم ليس الخيار الوحيد، وأن قراراتهم ليست معصومة من الخطأ.
المفارقة أن هؤلاء يتحدثون كثيرًا عن الكرامة، لكنهم نادرًا ما يتحدثون عن قيمة الإنسان. يتحدثون عن النصر، لكنهم لا يتوقفون عند حجم الخسارة. يكتبون عن “المشروع“، ولا يذكرون الشعب إلا باعتباره وقوده. وكأن الفلسطيني خُلق ليُقتل حتى تبقى الرواية الثورية حيّة.
إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب ليس فقط الدمار، وإنما هذا الانقلاب الأخلاقي الذي جعل الإنسان أقل قيمة من الفكرة، والشعب أقل أهمية من التنظيم، والدم أقل قداسة من الشعار.
لا أحد يعترض على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، لكن هذا الحق لا يمنح أي قيادة صكًا مفتوحًا للمغامرة بمصير شعب كامل، ولا يمنح أنصارها حق مصادرة الأسئلة الأخلاقية والسياسية. فالقيادات تُحاسب، والقرارات تُراجع، والأخطاء تُسمى بأسمائها، وإلا تحولت المقاومة نفسها إلى أيديولوجيا مغلقة لا تختلف في بنيتها عن أي عقيدة ترفض النقد.
لقد آن الأوان لأن يتوقف العرب عن عشق الشعارات، وأن يبدأوا في رؤية الإنسان الفلسطيني كما هو: إنسانًا له حق الحياة قبل أن يكون مادة للخطب، وله حق محاسبة من قرر باسمه قبل أن يُطلب منه التصفيق لمن تحدث باسمه.
فإذا كانت كل كارثة تُبرَّر باسم المقاومة، وكل سؤال يُقابل بالتخوين، وكل دم يُختزل في عبارة “ثمن لا بد منه“، فليست المشكلة في الاحتلال وحده، بل أيضًا في العقل الذي جعل الإنسان أرخص من الشعار.
هالا حسين
1/8/2026


