مِن مُراوغة المُمكِن إلى الأكيد |

مِن مُراوغة المُمكِن إلى الأكيد

كان الفلسطينيُّ يحتاج إلى تلك الاستراحة التي اختارها محمود درويش بعد سفر الخروج من بيروت. وكان يمكننا أن نعيد ترتيب سقوطنا بالصمت؛ فالفضيحة لم تكن تحتمل الكلام، والمدن العربية صارت شواهدَ قبورٍ لرحلة النضال المرتبكة. وكان علينا أن نأخذ نفسًا أطول قبل الذهاب إلى أوسلو، المدينة ذاتِ النهارات الطويلة والرتيبة.. وأن نقف على عتبة الغيب التوراتي؛ الذي ملأ مسدسه بالرصاصات التي ستُردي رابين قتيلًا. كان يمكن أن نرسل إلى الله خوفنا موقَّعًا بصور الضحايا، الذين سيجذبهم عمّا قليل نشيدُ السلام؛ ذلك الذي حملناه على صدورنا كصخرة، من دون أن يُدرك الشركاءُ شَرَكَ اللغة وشَرَكَ الرغبة وشَرَكَ الطموح… كانت هناك هوامش كثيرة للممكن، لكن الملحمة المُفتَعَلةَ ترفض رزانتها دائمًا، والكلام بارع في تضليل الشعوب التي تجهل كُنْهَ قضاياها. أما أوسلو، فكانت الفخَّ الأجمل في الحكاية، وربما كانت أصدقَ ضوءٍ كاذب (حسب تعبير أيمن عودة). وكان رابين يُهيِّئ نفسه ليصير بشيرا مذنبا في سماءٍ فلسطينيةٍ خالصة، كما هيأها عرفات ليصير رسولا أبديا للسلام، وكان اللهُ آخِرَ حظِّ المغلوبين من غاياتهم. إلى أن اتفقت الغرابيب على أن ترسم قصتنا بدم الفتية البُلغاء.. فوصلنا وجهتَنا في عمق البحر؛ بلا أعين وبوصلة.. قُتلنا غرقا في تناقضاتنا. 

علينا الآن أن نهدأ، ونحتضن حصان طروادة.. لعلنا ندرك الغاية من مراوغة الممكن للأكيد.

هاشم عبد الكريم

03/08/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة