من غزّة مع خالِص الوفاء…إلى تمام هنيدي |

من غزّة مع خالِص الوفاء…إلى تمام هنيدي

ابقى في البحر.. (يضحك) ولكن لا تغرق. في كانون الثاني، قبله أو بعده، لا أذكر بالضبط. كنت قرب البحر في رفح ومعي هاتف شحنت بطاريته للتوّ، وشبكة إنترنت تأتي وتذهب مثل شخصٍ لا يريد أن يحسم أمره. لا أعرف كيف عرف أنني هناك الآن، ربما لأن البحر عنده وعندي واحد؛ هو رآه من طرفه ورأيته من طرفي (وحيدٌ من الخِلّانِ في كل بلدةٍ). قال يومها، وكنت أنظر للقذائف وهي تتساقط على الشاطىء، إن الماء الذي أمامي مرّ من أمام اللاذقية. لم أتحقق من صحّة الكلام أبدًا. لم أكن أريد.

ثم كتب تلك الجملة، وضحك، واختفى.
كأن أحدًا ناداه من الغرفة الثانية.

وهذا الصباح، مات شاعر،
الشاعر يموت في الصباح.
هذه عادة لا أعرف من علّمها لهم.

مات شاعر، ولدي ضحكته، محبوسة بين قوسين. لم أسمعها قط، كتب حرفين مثل وجنتين محمرتين من الخجل، فصنعت أنا الصوت في رأسي، وأعرته حنجرة، وأعرته سِنًا مكسورة رأيتها في صورة قديمة. هكذا نصنع أصدقاءنا البعيدين؛ نعيرهم أجسادًا من عندنا، ثم يموتون، فلا يبقى لنا ما نرجعه لهم، ولا يبقى لهم ما يأخذونه منّا.

عرفته أكثر في الحرب هذه السنتين أو ثلاثة، والحرب دلالة سيئة، لكنها صادقة؛ لأنها تريك الرجل بلا زينة، وبلا مدينة، وبلا كرسي يجلس عليه.

الآن على الشاطئ، أضع يدي في الماء وأخرجها مالحة، وأمسح بها وجهي.
لم يعلّمني أحد كيف يغسل الموتى البعيدون.
لكن الماء الذي أمامي مرّ من أمام اللاذقية. وهذا يكفي.

اعبر أنت أولاً، تمام العزيز، من مدخل القنطرة ذاته، فلك اسم
أما أنا فسأعبر وراءك.. (غريبٌ وأطراف البيوت تحفُّني)

أنيس غنيمة

٧/٨/٢٠٢٦