أنا الذي أخوض الحرب الحقيقية كل يوم؛ أحارب الأحلام المغدورة، والآمال المعطوبة،، وقلة النوم، والحرّ ، وغياب أبسط مقومات الحياة.
أنا الذي أحارب مزاجيتي التي لم تعد تشبهني، وأفكاري السوداء التي تلاحقني، وتدفعني أحيانًا إلى الرغبة في الهروب… إلى أي مكان، حتى لو كان اللامكان.
أحارب كرهي للعالم، وغضبي من الساسة الأغبياء، ونقمي على كل من كان قادرًا على تغيير شيء ولم يفعل. أحارب الكوابيس اليومية التي توقظ في داخلي حزنًا دفينًا، وأحاول أن أبدو طبيعيًا في عالم لم يعد فيه شيء طبيعي.
أحارب قلقي من المستقبل، وجهلي بما ينتظرني غدًا، أحارب ذلك الصوت الذي يطلب مني أن أصمد في وطنٍ أنهكه التجار، وأثقلته المصالح، واغتالته الأنانية.
أحارب أولئك الذين يوزعون التفاؤل من خلف الشاشات، ويتحدثون عن الصبر والأمل وكأن النار لم تمسسهم، وكأنهم يعيشون في مكان آخر، منفصلين نفسيًا عن كل هذا الخراب.
أحارب نظرات أطفالي الحزينة، وعيون زوجتي المكسورة، وأسئلتهم التي لا أملك لها إجابات. أحارب انزعاجي من كل هذا السوء المحيط بي، وأحارب عجز الإنسان حين يرى من يحب يتألم ولا يستطيع أن يفعل شيئًا.
ومع ذلك…
أحاول كل يوم أن أرتدي وجهًا لا يشبه ما بداخلي. أزيّن معاناتي بكلمة طيبة، وأمنح ابتسامة عابرة لمن حولي، وأتظاهر بأنني بخير، رغم أن تلك الابتسامة لا تمت إلى سواد قلبي بصلة.
أنا المحارب.
أنا الذي يقاتل كل هذا دون أن يحمل سلاحًا.
أنا الذي يخوض معركة البقاء، ومعركة الحفاظ على ما تبقى منه في الوقت نفسه.
لذا، لا تخبرني عن الحرب من بعيد…
د.محمود عساف
١٠/٨/٢٠٢٦


