ماذا نسيت أيضًا غير الرقم السري لبطاقة الصراف؟!
أشياء كثيرة يا صديقي!
حاولت أن أتذكر رقم بطاقة الصراف!
أذكر الأرقام الأربعة وأذكر أن أحدها مكرر.. لكن ترتيبها؟! لا أذكر!
أحاول أن أتذكر أشياء كثيرة من هذا القبيل..
أحاول أن أتذكر حضن الولدين.. وصوتهما الطبيعي.. وليس المحمول على الموجات الفضائية عبر آلاف الكيلومترات! ويا للموجات الملعونة كم تزوّر في النبر وكم تتلاعب في مستوى الابتسام المرسوم على الكلمات.. كاذبة وملعونة موجات الفضاء.. لا يثق فيها بشريٌّ بدائيُّ الروح مثلي.
وأحاول أن أتذكر ملمس النقود في الجيب! كنت في أوقات التوتر أو الانتظار أعد النقود في جيبي باللمس! قتلًا للوقت! العشرة شيكل محيطها مسنن.. الخمسة مضلعة تقريبًا.. لا أذكر كم ضلعًا كانت دائرتها.. كانت تذكّرني بشكل الدائرة على برنامج الأوتوكاد للرسم الهندسي.. المهندسون يعرفون عما أتحدث؛ حينما كنا نكبر الدائرة على الشاشة كثيرًا كانت تبدو على هيئة قطع مستقيمة متلاصقة على مدار الدائرة!
أما الشيكل فكان أملس المحيط! هل ما زال كذلك؟!..
لذلك كان من السهل إحصاء محتوى الجيب باللمس! أحاول أن أتذكر هذا أيضًا.
وأحاول أن أتذكر شكلي وأنا أحصي النقود وأقدمها لبائعٍ ما.. وأنتظر البقية! هل كنا عمل هذا فعلًا؟!
وأحاول أن أتذكر شكل الكرامة الوطنية!
كيف كانت؟! في وجوه الرجال والنساء والأطفال والشيوخ.. كيف كانت؟! هل كانت؟!
وأحاول أن أمرن عضلات ذاكرتي على مسارات الطرق التي كنت أسلكها في الطريق إلى الجامع العمري..
إنعامًا في التفاخر بمعرفة مكان كل ذرة تراب على طرقنا الوطنية!.. وإمعانًا في تمرين الذاكرة.. أحاول أن أسلك طرقًا لا يعرفها غير من تربّى في غزة!
لستُ طفلًا بمقياس عشق الأرض إذا مشيت من عسقولة إلى ميدان فلسطين وانعطفت يمينًا لأجدني في سوق القيسارية والعمري!! ما هذه البدائية في الانغماس في التراب؟!
عليك أن تسير من عسقولة إلى مقبرة أبو شعبان ثم تتجه شرقًا في شارع الشمعة الضيق وتسلم على مصلح البوابير القديم وتنعطف يسارًا لتلقي التحية على حمام السمرة وتصافح مذاق نمورة أبو عمر وتتسلل بين الحجارة القديمة وتشم رائحة الطحالب على جدران البيوت المهجورة.. ثم تجد نفسك في العمري! طرقٌ ملتويةٌ طويلةٌ بحجم حب التفاصيل.. تفاصيل الأرض.
هل تتذكر؟!
حاول أن تتذكر الأشياء والأماكن التي غابت عن الوعي في حادثةٍ ملعونةٍ قبل ثلاثة أعوام.. ثم بدأت تستيقظ فيك على هيئة رجفة في القلب ورعشة في الروح.
حاول أن تنعش الذاكرة..
على الأقل إلى أن تجد وقتًا لدفنها في كتاب.. لتحيا في ذاكرة جسدٍ تتقمصه روحك ذات يومٍ وتحيا من جديدٍ بكل عذاباتك الوطنية وحبك للأرض واشتياقك لهاتيك التفاصيل.
محمد العُكشية
17/8/2026


