رسالة إليَّ بعد عشرة أعوام،
مرحباً، أراك ترتدي ملابسي! قياس البنطال نفسه، الألوان نفسها، غريبٌ أنك لم تتغير وأن وزنك كما هو منذ عشر سنوات.
شعرُك مرتبٌ أكثر مما كنت أفعل، به بعض البياض ولكن لا بأس، لازلتَ وسيماً، لا تسألني كيف عرفت؛ فعندما أراك من الزاوية الأخرى للمرآة، تبتسم لي نفس ابتسامتي لك.
أراك تضحك الآن لسذاجتي، لا تهتم، ضع الفرشاة جانباً ، واذهب.
هل أمي بخير؟ ما حالها الآن؟ كبِرتْ، أعرف هذا فأنا أطل عليها من وقت لآخر وأسمعها تتكلم عني إليك، كلامها المعتاد: “حاول التخفيف من سجائرك، اذكر ربك دائماً”، وتوصيك بي في النهاية، رغم أنني أريد أن أشكو لها تقصيرك وإهمالك، لا بأس أيضاً، ربما عشر سنوات أخرى كافية لتتعلم من أخطائك.
أوه أبي! بالأمس شعرت بأنه ذكرني في إحدى المجالس، لا تحزن، قال إنني أفضل منك، على الأقل كنت أزوره من وقت لآخر.
أحمق أنت، لا تدرك كم يحبانك! سأخبرك سراً، عندما كنت بجوار أبي قال لي إنه يتمنى أن يستبدلني بك، لا ألومه، فأنت الآن أكبر مني، وعلى حد علمي فإن قدرتك على ذلك تفوق قدرتي، لا تهتم أيضاً.ما حالها الآن تلك الغريبة؟كنت أسترق النظر إليك أحياناً، تُفتش في دفاترك، تفتح هاتفك بحثاً عن شيء تجهله وأعرفه أنا! أقول لك: لقد أصبحت أُماً لثلاثة أطفال، تكوي ملابس زوجها، توقظهم صباحاً للمدرسة، تظل وحيدة في فترة ما بعد الظهر تشرب القهوة، ثم يعودون، تصنع لهم الغداء، تنهي معهم فروضهم المدرسية، تشكو لزوجها من إحدى الجارات، لكنها عند المساء تقرؤك، تفتح أغانيك المفضلة، تتحسس وجهك في فنجانها، تخلد للنوم وتبكي. لكنني أريد منك شيئاً، لا تفكر بالعودة أبداً، ولا تخبرها أنني أخبرتك، أنت لا تستطيع الوصول إليها على أي حال.
صحيح، لقد أخبرني أحد أصدقائك القدامى أنك تمرُّ بأزمة نفسية مريرة، لم أستغرب، وظلّ يشرح لي أسبابها وأنا صامتٌ؛ ربما لأنني أعرفها أكثر منك، فأنا أعرفك أكثر مما تعرفني. لا تقلق، لم أُجب على سؤاله، ولم أقل له إنك مُصاب بنوستالجيا مزمنة تنهش روحك.
لكنني أريد أن أوصيك، لا تلتفت أبداً يا صديقي، فأنت منذ مدة تفكر بالرجوع إلى البيت، تلك الشقة الصغيرة. لن أُذكرك بأنها رحلت، ولن أقف في وجهك حين تتخذ قرارك، ولكن على أيّ حال، حين تعود وتدخل غرفتك القديمة ستجدني حتماً هناك على السرير، أطوي لك هذه الورقة.
رائد شومر
٢٣/٨/٢٠٢٦


