الثالثة فجرا
أتقلب في فراشي. تحاصرني ثلاثة مشاهد، وتجتاح ذاكرتي تفاصيل أطفالها الضحايا.
المشهد الأول:
استهدف القصف رجلا يسير في طريق تحف به أكوام من الركام؛ أكوام كانت، قبل الحرب، بيوتا، وكان الطريق نفسه مستويا قبل أن يصاب بجرب الحرب.
ظل الرجل المستهدف يتحرك، فهرع طفل لإنقاذه، فانطلق صاروخ آخر يطارده، وأغرقه مع المصاب في سحابة من النار، أخذتهما معا إلى غياب أبدي.
قبل ساعة كان الطفل يلعب؛ وحين ترك لعبه لينقذ الرجل، كان الموت أسرع منهما.
المشهد الثاني:
يقف رجال الدفاع المدني فوق أنقاض عمارة منهارة، وينادي أحدهم:
«في حدا عايش هون؟»
من بين الركام، ومن أعماق الطوابق السفلية، يصعد صوت طفل أمضى يومين كاملين يصارع من أجل البقاء:
«أنا يا عمو… بس ما في هان أكسجين، وغالبا راح أموت».
كان الطفل يعرف ما ينتظره أكثر مما أراد المنقذون أن يصدقوا. وبعد ثلاث ساعات من سماع ندائه، انتشلوا جثته.
يومان كاملان ظل خلالهما يقاوم الموت من أجل نفس إضافي، ثم بخلت الحياة عليه به.
ما أبخل الحياة على أطفالنا!
المشهد الثالث:
يرتجف الطفل وهو يحكي لي قصته في العيادة:
«فجأة دوى انفجار، وتحولت المدرسة التي ننزح إليها إلى كتلة من اللهب. أظلم المكان دفعة واحدة، وتساقطت الشظايا كالمطر. لا أدري كيف هرعت في الظلام إلى خارج الصف الذي صار بيتنا.
تعثرت قدماي في شيء دافئ ولزج… كان يهتز.
سمعت صراخ أمي وأختي المتزوجة، لكن الظلام كان دامسا. وجدت نفسي وسط كومة من أشياء لزجة. وبعد قليل، كشفت أضواء هواتف النازحين أنني وقعت فوق أشلاء أولاد أختي.
قبل ساعتين فقط كنا نلعب معا، ونخطط لما سنفعله غدا.
أريدهم أن يعودوا إلي… وأريد دواء يوقف شعور اهتزاز أشلائهم في يدي. أريد دواء لكي أنام، ودواء لكيلا أخاف من الليل، ودواء آخر يوقف بلل فراشي كلما سرقتني غفوة».
الرابعة فجرا…
تشتد وتيرة الرصاص من الدبابات، وطائرات الاستطلاع تفتش عن بقايا الحياة في نوم النازحين، وأنا ما أزال أتقلب في فراشي، أحاول أن أجد نهاية أخرى لهذه المشاهد…
ولا أجد.
ثم لا أجد.
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين
١٨/٩/٢٠٢٦


