تُمثّل المجموعة القصصية (مادة دسمة للبكاء) ثورةً سردية وشهادةً إنسانية بالغة العمق والحرارة، تنبتُ أصالتها من قلب تجربة النزوح والحصار والقصف في قطاع غزة، لتُسجّل بأسلوب “اليوميات القصصية” لحظات فارقة يُعاد فيها اختبار الوعي الإنساني والضمير الجمعي أمام أهوال المأساة المعاشة. يتجاوز المؤلف في هذه المجموعة الرصد الصحفي أو التوثيق السطحي للحدث الميداني، ليغوص بجرأة وفلسفة عميقة في التبعات النفسية والاجتماعية والأخلاقية التي تتركها الحرب في وجدان الإنسان المحاصر.
تتوزع الرؤية الفنية عبر سبع عشرة قصة قصيرة تتكامل لتنسج لوحة جدارية ملحمية؛ حيث يرصد “أدب الطوابير” والقتال الوجودي للحصول على لقمة العيش الممزوجة بالدم والكرامة المهدورة في قصتي «طابور طويل» و«ذاكرة رجيمة»، حيث يضطر الأب لإرسال أطفاله إلى طوابير منفصلة أملًا في الظفر برغيف خبز وتجنباً لإبادتهم جميعاً إذا ما طالتهم القذائف.
كما يتعقب الكاتب بشفافية مؤلمة هشاشة المشاعر وانكسار العلاقات العاطفية والتواصل الإنساني بين الخيام في «لا أمس لك هنا ولا غد» و(جواد الشوق)، ويكشف عن قهر الأبوة وعجزها في قصة «صغيرتي» وهو يخيط حذاء طفلته الممزق بالسلك الحار والولاعة وسط الشارع عاجزاً عن تلبية رغبتها في شطيرة أو حلوى أمام جشع الأسواق. ولم تخلُ المجموعة من الشجاعة النقدية التي تُعرّي الوجه المظلم للابتزاز والاستغلال الجشع لبعض القائمين على المساعدات الإغاثية في «كازانوفا» و(حكايات رخوة)، بينما تومض أضواء الإيثار والتكافل البشري النقية في قصة «الذهب الأبيض» حين يتقاسم الجيران حفنات الطحين القليلة كأنها أثمن ما في الأرض، وتنهمر دفقات التأمل الوجودي والرمزية البليغة في باقي نصوص المجموعة مثل «الماء موصل جيد»، «لحظات فرح هاربة»، «لعله يفهم»، «مجانين»، «في فمه وردة»، «على الحافة»، «اعتراف متأخر»، «اللاشيء»، و«بقايا حلم»؛ إذ نسجها الكاتب بلغة جليلة مكثفة تجمع بين دقة الطرح الأكاديمي والحرارة الوجدانية الصادقة، مُجسداً ما خطّه في إهداء الكتاب من أن الكتابة الحقيقية هي التي تُكتب بالقلب وتتغذى على الألم المباشر، لتغدو المجموعة وثيقة تاريخية وأدبية خالدة تحفظ الذاكرة الوطنية والإنسانية وتنتصر للكرامة البشرية فوق الحطام.
تتجلى البراعة الأسلوبية للمجموعة في عدة عناصر محورية:
- التكثيف والترشيق السردي: لا يميل الكاتب إلى الإطالة أو الحشو؛ بل يعتمد تقنية “اللقطة السينمائية المكثفة”، حيث يبدأ النص مباشرة من قلب الأزمة، ويختزله بعبارات قصيرة ومقتضبة تحبس الأنفاس وتترك القارئ يكمل بياض النص بخياله وإحساسه.
- المزاوجة بين لغة الباحث ونبض الأديب: بحكم خلفية المؤلف الأكاديمية والبحثية، تظهر في النصوص دقة بالغة في تشخيص الظواهر النفسية والاجتماعية (كالاستغلال، وتفكك الروابط، وسلوكيات الخوف)، ولكنها تُصاغ بلغة شعرية دافئة تنبع من القلب وتستهدف وجدان القارئ مباشرة.
- الصورة البلاغية المبتكرة (أدب المفارقة): يبرع الأسلوب في اقتناص المفارقات الحادة وتجسيدها في صور صادمة ومستحدثة، مثل وصف الطحين بأنه «معجون بالدم»، أو تحويل السلك المشتعل بالولاعة إلى «أداة لترميم حب الأب لحذاء طفلته»؛ حيث تحول المفارقة الواقع القاسي إلى لوحة فنية مشحونة بالرمزية.
- البناء الدرامي للتصاعد المأساوي: تمتاز القصص بوجود “نقطة تحول” خاطفة في نهاياتها؛ حيث يبدأ النص بمشهد يبدو عادياً في ظروف النزوح، ليصدم القارئ بخاتمة كاشفة تعري القهر الإنساني بأبسط الكلمات وأعمقها إيلاماً.
- الصدمة الإيجابية (إيقاظ الضمير): الأسلوب هنا لا يستجد العاطفة ولا يهدف لمجرد الاستدرار العاطفي، بل يستخدم “البكاء” كأداة تفكير ومراجعة أخلاقية، مما يجعل النص يمارس على القارئ تطهيراً نفسيا صدمياً يجعله يعيد النظر في معنى الكرامة والإنسانية.
د. محمود عسّاف
21/9/2026


