وما زالت القصص مستمرّة |

وما زالت القصص مستمرّة

كنت في بيت لاهيا بداية الحرب، حين هز انفجار كبير جدا العمارة التي آوينا إليها بعد قصف بيتنا. لم نكن وقتها معتادين على هذا الحجم من الانفجارات.

كان الانفجار قويا جدا لدرجة أننا شعرنا أنه في الحارة المجاورة، لكن الأخبار العاجلة بعد قليل كشفت أن الانفجار وسط مدينة غزة ـ الجلاء، مجزرة التاج ـ أي على بعد عشرين كيلومترا من المكان الذي نزحنا إليه.

ما زلت أذكر سحابات الدخان والغبار التي انطلقت من الأرض وغطت السماء بنفس القوة، كيف استمرت النار تأكل المكان أربعة أيام متتالية.

على الأخبار العاجلة المتوالية: 20 شهيدا، 80 شهيدا، 120 شهيدا. يا الله؟!! كيف مائة وعشرين شهيدا يسقطون دفعة واحدة؟ لا، ليس بعد، عداد الضحايا مستمر: 150 ضحية. يا الله، كيف يحدث ذلك.. لم نكن معتادين بعد على أن نموت بالجملة، كان اتفاقنا أن نموت واحدا واحدا، يدفن بعضنا الآخر..

العداد مستمر: 180 ثم 230، ثم حين جاء المساء كان العدد قد استقر عند 300 شهيد دفعة واحدة.. مربع كامل مسح عن الوجود، وحرقت النار لأربعة أيام بقايا أجساد الضحايا، ومسحت عشرات العائلات الصغيرة والكبيرة من السجل المدني، واختلطت العظام بتعزيزات الباطون والأسمنت والحديد…

واليوم، تُستخرج بقايا الجثث من تحت الركام، ويقف المحبون ينتظرون أن يجدوا ما يدلهم على أهلهم؛ قطعة ثوب، حذاء، دبلة، أو عظمة يحملونها برفق. بعد ثلاث سنوات.

بعد ثلاث سنوات ما زالت الصور في قلوب المحبين واضحة، ما زال بإمكان أم أن تتحسس بقايا جسد طفلها الذي ذهب لبيت عمه في مشوار صغير ولم يعد، لكنه الآن رفات يلفه العلم الفلسطيني.

ما زال بإمكان طفل أن يحمل عظام أبيه، كبر الطفل خلال انتظار عودة أبيه من الجنة ثلاث سنوات وعشر أعوام أخرى.

ما زال بإمكان أب أن يتعرف إلى ابنه من قطعة في قميصه، كان معه يوم اشتراه.

ما زال بإمكان أخ أن يجلس أمام ما بقي من أخيه، يتذكر آخر حديث بينهما، والعتاب الذي تركاه للمرة القادمة.

ما زال بإمكان أخت أن تبحث بين الركام عن صورة تجمعها بأختها، تتذكر كيف ضحكتا قبل أن تلتقطها الكاميرا.

ما زال بإمكان عروس أن تبحث بين العظام عن دبلة الخطوبة، تتذكر يده حين وضعها في إصبعها، وارتباكه وهو يسألها إن كانت على مقاسها.

ما زالت القصص مستمرة، وما زال بإمكاننا الصراخ: لا نريد أن نموت صامتين، نحن لسنا أرقاما ولا رفاتا بلا هوية، نحن أسماء وقصص وروايات مستمرة، ولن نتوقف مستسلمين في وجه الموت.

د.سعيد محمد الكحلوت 

اخصائي الصحة النفسية وكاتب 

غزة فلسطين

2/10/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة