صباح 13 أكتوبر 2023
“عليكم ترك بيوتكم فوراً والتوجه إلى الجنوب، من أجل سلامتكم، عليكم ألّا تعودوا إلى بيوتكم حتى إشعار آخر من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي”…
صباح 13 أكتوبر 2023
خرجنا مُنكَسرين من الشمال إلى الجنون.!
لم نترك خلفنا شيئاً إلا وتركناه، تركنا خلفنا مَنسف أحلام ومستقبلاً لم نكن نعلم أنه يتبخّر حتى إشعار آخر.!
ثلاث سنوات، يكاد الموت لا يتوقف؛ روبوتات، انفجارات، نسف مربعات ومثلثات سكنية، بقايا بيوت وأرواح وقلوب وخيام تهتز الآن.
ثلاث سنوات وسيمفونية الزنّانات تعزف حُفرة كبيرة في رؤوسنا، و’الكوادكابتر’ تعزف لحن الموت.!
مليون في العراء، ومليون بين الطارق والسماء، «بالبلدي» في الشارع.!
بعد ثلاث سنوات يمكن أن ترى كل شيء في غزّة ما عدا غزّة!
مرّت علينا فصول السنة الأربعة؛ زارنا الشتاء، وزارنا الصيف والربيع والخريف، وزارنا الجوع، وزارنا شعبان، ولم نحسّ برمضان، ومَرَّ العيد من أمامنا مرّات مرور اللئام، ومرّت السنة وراء السنة، ورأس السنة ومؤخرة السنة، وموسم الحج والثانوية العامة، وفعصت الحرب مستقبل الطلاب والطالبات..!
سنوات دراسية مضت، بدأت وانتهت، ولأوّل مرّة لا يفخر الناس بتفوّق أولادهم.. سنة تالته خيمة!
كأنّ ما كتبته بالأمس كان ينتظرني اليوم، وكأنّي كنت أكتب إنذاراً مبكراً لم آخذه على محمل الجد!
في مؤلفاتي الثلاثة «وطن خارج التغطية» و«وطن نص كوم» و«شسمو» كنت قد كتبت:
«خيمة تخيّبنا!»
و«كلنا مشاريع شحادة!»
وكتبت:
«..في غزّة
دبّ انفجار
دبّ الحصار
دبّ الصوت
دبّ الموت
في غزّة دبّ الرّعب والزّفت
في غزّة صَفَّينا على الأسفلت
في غزّة من في غزّة، لكن لا ترى في غزّة إلا الموت!
وأحا بالأصفر
وأحا بالأخضر
وأحا بالأحمر
وأحا ع المعبر
وأحا بالألوان..
وأحا إمام ودينا
أحا آخريتنا خايف والله تطلع سينا!»
وحتى لا ننسى «الحلم العربي»، ما زلت مُتفائلاً بالحلم، وإنّو راح ييجي يوم نصحى من النّوم، وتصحى الأمّة وتحكي شالوم..!
من تحت القصف، من فلسطين، من غزّة، إلى خان يونس، إلى رفح، إلى المواصي، إلى الزوايدة، إلى دير البلح، إلى الخيمة، إلى الجحيم، وصلنا بالسّلامة إلى المجهول، ولم تصل أحلامنا بَعد، ولم تصل آمالنا بَعد، وأخشى أن تكون قد تَبَخّرَت في الطريق!
للحديث بقيّه إن بقي في العقل والعمر بقيّه..
أكرم الصوراني
13 أكتوبر 2026
أسود يوم في حياتي
جاء أسود يوم في حياتي، الجمعة 13 أكتوبر 2023، بعد خمسة أيام فقط من طوفان النكبة، وحرب الابادة المدمرة على قطاع غزة. كان الجيش قد طلب من سكان مدينة غزة وشمال القطاع إخلاءها والتوجه جنوبًا لما بعد وادي غزة. وفعلًا، بعد انتهاء صلاة الجمعة، توجهتُ أنا وزوجتي وبناتي الثلاث في رحلة الوجع الأبدي عن غزة. من مفترق السرايا ركبنا السيارة متجهين إلى رفح…
كان يومًا أشبه بيوم الحشر والقيامة. آلاف البشر مصطفين على مفترق السرايا، عائلات بأكملها تزحف من شمال القطاع، سيل بشري جارف على طول امتداد شارع الجلاء، غير الآلاف الذين افترشوا الأرض ينتظرون وسيلة مواصلات لتنقلهم إلى الجنوب، ولكن هيهات، كان ذلك مستحيلاً. كنت محظوظًا فقط؛ عطف عليّ أحد السائقين وأخذني معه فهو هاربٌ أيضًا إلى رفح. في هذه اللحظة التي ركبت فيها السيارة وأغلقت الباب، انفجرت عيناي بالبكاء، نفس الهستيريا التي عشتها في يوم سفري من المدينة المنورة الى غزة في 2005.
السيارة تعبر شارع الثلاثيني وصولًا إلى شارع 10 حتى وصلنا إلى شارع صلاح الدين، ازدحام مروري هائل، الناس على أقدامهم وفي السيارات والحافلات وعلى عربات الكارة التي تجرها الحمير والأحصنة، الكل ينزح باتجاه الجنوب. وأنا تغيب عني كل هذه التفاصيل، فدموعي جرفت كل تركيزي وأغرقتني في تيهٍ كبير وثقب أسود من دموع. كل جوارحي كانت تدرك من أعماقي أن هذا طريق ذهاب بلا عودة، وأنني أودع غزة إلى الأبد.
حين وصلنا كف ميراج، أغلقت عيناي دفتر دموعها إلى الأبد. وبعد عشرة أيام فقط من نزوحي في رفح لم أستطع تحمل الفراق، عدتُ إلى غزة قبل أن تفصل الدبابات شمال القطاع عن جنوبه. عشت الاجتياح البري لمدينة غزة بكل تفاصيله. شاهدت بأم عيني كيف تموت المدينة، تسقط، تُسحق، تُفرم، تتحول إلى ركام ورماد، يتطاير دمها في وجهي. لم أبكِ، لم تذرف عيني قطرة دمعٍ واحدة.
نزحت مرةً أخرى من غزة، في الأول من مارس 2024، بعد يومٍ من مجزرة النابلسي الشهيرة على شاطئ بحر غزة، واستقريت في رفح، قبل أن يجتاحها أيضًا الجيش، ونزحت من رفح إلى النصيرات.
وككل غزي عاش هذه السنة السوداء من حياته، فقد فيها كل شيء: بيته، أسرته، حارته، جيرته، شوارعه، بحره، مقاهي المدينة، ليلها ونهارها، ضحكاتها وصراخها، صخب أعيادها واحتفالات أعراسها، علوها وسقوطها.
لم تدمع عيني قط
قلبي تيبس من الجفاف
أريد أن أعصر عيني لتنفجر الدموع
وتدفنني في قبر من ماء
فقد خسرتُ غزتي للأبد
وأنا لا أبكي إلا عليها...
رائد اشنيوره
١٣/١٠/٢٠٢٦
آخر مرّة
في مثل هذه الليلة قبل ثلاثة أعوام نزلنا عبر سلالم بيتنا.. لآخر مرة..
ومشينا في الممر المزخرف الممتد بين كراج السيارات وشجرة الجوافة.. لآخر مرة..
وقُدنا سياراتنا على الأسفلت.. لآخر مرة..
واتجهنا جنوبًا.
ولم نملك الوقت لمصافحة يد أبي المعششة على زيتونات الدار.. لا وقت.. ولو لآخر مرة!
ولم يكن في حسبان أحد أن كل ما يجري كان يجري.. لآخر مرة!
كان الطفلان على المقعد الخلفي من السيارة يحدقان في الطريق المعتم.. قبل أن يصيرا رجلين بعيدًا عني.. فجأة!
وكنت أقود بسرعة عالية كأن الموت يجري خلفي.. واثقًا كنت من أن طائرة الاستطلاع فوقي كانت تنقل المشهد مباشِرًا إلى عينٍ ما.. وأن ضغطة زر هناك كانت كفيلة بجعل هذه الرحلة.. آخرَ مرة!
وحين وصلنا إلى نقطة النزوح الأولى شعرت بأنني أنقذت عائلة! تنفست الصعداء.. لكنني بعد دقائق شعرت بأنني خنت المدينة.. وغدرت بيد أبي التي ظلت هناك على الزيتونات.. شعرت بأنني لا شيء.. لأول مرة!
محمد العكشية
١٣/١٠/٢٠٢٦
كيفَ الخَلاص من ذاكرتي!
ثلاث سنوات من الحرب، أحتاج الآن أن أنظف ذاكرتي مما علق بها من الألم.
لا أريد أن أكمل ما تبقى لي من عمر وأنا أحمل في عقلي وقلبي كل هذه المشاهد.
أحتاج الكثير من الوقت، ولا أعرف من أين أبدأ إزالة هذا الركام، لكي أعود إلى ما كنت عليه قبل الكارثة بيوم واحد.
كيف يمكنني إزالة كل هذه الجبال من الركام عن قلبي؟ كيف يعود كما كان، ينبض كلما رأى فراشة أو وردة أو غيمة أو طفلة تجري على شاطئ البحر؟
في قلبي يسكن كل الأطفال الذين أحرقتهم النار، وتطايرت أجسادهم الصغيرة إلى قطع لحم وبقع دم. أريد أن أطلقهم من قفصي الصدري نحو حديقة خضراء، ساعة شروق لا يأتي ليل بعدها أبدا.
في زاوية ما من ذاكرتي يجلس الأطفال المرتجفون خوفا، الناجون لتوهم من القصف. ما زالوا خائفين، يحدقون في الفراغ البعيد، لا يقدرون على كلمة واحدة.
الأطفال الذين ناموا في أحضان آبائهم، ثم وجدوا أنفسهم على بلاط المستشفيات البارد، يرتجفون هلعا، وحملوا بعدها لقب «الناجي الوحيد.
أينجو طفل فقد كل أهله؟!
لا أدري، لكنهم هربوا إلى سرداب بعيد في ذاكرة خوفي عليهم.
هناك، بعيدا جدا، في سرداب آخر، يلعب أطفال سويا. بعضهم بلا سيقان، وبعضهم بلا أذرع، وبعضهم بلا أعين. لكنني، بطريقة ما، فتحت لهم حقلا آمنا في قلبي.
كل حمام المدينة الذي انتفض مع كل انفجار، وطار في الهواء يصارع الدخان المتصاعد من المباني المنهارة، ثم سقط، لم يمت. فقد حفظته في مكان بعيد في ذاكرتي، أنتظر لحظة سلام أطلقه فيها، ليعود ويبني له أبراجا عندما تتوقف المدافع.
في طبقات السمع البعيدة أحفظ كل صرخات الوداع الأخير للأمهات الثكالى:
أمانة ياما تبقى تزورني، ما تطول عليّ.
كان أعز إخوتي على قلبي.
يا الله، خذني معه
تتكرر الصرخات، تتحد وتصير وجعا يملأ صداه العالم.
أنتظر أن يعود من العالم صوت، أو صداه لكن تعود إليّ الصرخات نفسها. يظل الفلسطيني يسمع ألمه، ويعيش الذكريات مجردا من كل شيء إلا الألم.
أريد أن أسير خفيفا بلا هذا العبء. أن أمشي كما يمشي الشعراء والأدباء في العالم، يبحثون عن عصفور يراقص عصفورة على ضفة نهر، وعن مراهق يتسلل خلسة إلى أحلام عشيقته فيهديها وردة.
ثم أبني للعاشقين الصغيرين مملكة حب، وأزوجهما انتصارا للحب.
أريد أن تتوقف المدافع الآن، لكي أكمل حياتي كإنسان طبيعي فقط. كانسان ليس اكثر .
د. سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة، فلسطين
٨/١٠/٢٠٢٦
في مثل هذا اليوم…
في هذا اليوم قبل ثلاث سنوات، استيقظت مفزوعًا على موجة واسعة من إطلاق الصواريخ، وكمية هائلة من الانفجارات، ذهبت إلى سطح المنزل مسرعًا، فكانت السماء ملتهبة، والأخبار متضاربة.
ما الذي يحدث؟
حتى هذه اللحظة لا أحد يعرف ما الذي يحدث في قطاع غزة، تقول بعض التكهنات أن الاحتلال نجح في اغتيال شخصية بارزة، نزلت لأشاهد التلفاز وكانت الكهرباء ممكنة يومها،
الأخبار مثلنا تحتاج لمن يخبرها!
الصواريخ لا زالت تخرج من غزة، فقلت لنفسي، هذه الكمية الهائلة من الصواريخ وراءها مصيبة كبيرة، هاتفت صديقي وقد كان مقبوض القلب، وليس لديه معرفة بما يجري.
ثم هاتفني أخي يسأل،
قلت، يقولون اغتيال شخصية بارزة وأغلقت الهاتف، في هذه الأثناء بدأت الصور ترشح من داخل الأراضي المحتلة، كانت المشاهد غير مسبوقة، لكن شيء ما ظل حبيسًا في قلبي يشبه الخوف الشديد.
قلت إنه سيتمر لأيام طويلة،
لم أصدق يومها أنه سيستمر لسنوات، ومع تواتر الأخبار بدأ الحدث وكأنه زلزال ضرب العالم كله، في هذا الصباح قابلني أحد الأصدقاء الذي رحل شهيدًا، وقد سألني يومها، إلى أين ستذهب الأمور؟
قلت له؛ سيدمرون غزة،
قال أبدًا، سيذهبون إلى مفاوضات أسرى لأن العدد كبير جدًا، قلت يا ريت، لكنني كنتُ أعلم بسجيّة الرجل البسيط، أن ما حصل مع شاليط كان مرعبًا، فما بالك عن عشرات مثله؟
ها هي الذكرى الثالثة تحل علينا والقتل ما زال قائمًا،
رحل أبي، وبعض أقاربي، والكثير من جيراني وأصدقائي، رحلت الضحكات العالية، والمساءات الجميلة، والطرقات الهادئة، رحلت الجلسات البسيطة والأمان، كل شيء رحل،
ولم يبقَ سوى ذكريات قديمة،
تنفع عكّاز للقلب والرّوح،
حسن القطراوي
٧/١٠/٢٠٢٦
ثلاثة أعوام يا الله…
ثلاثة أعوام، والزمن لم يمشِ خطوة واحدة إلى الأمام.
1096 يومًا من إبادةٍ على البث المباشر، يشاهدها كل هذا الكوكب الحقير، في عصر تستطيع فيه التي تسمى “أليكسا” أن تصنع قهوتك بكلمة واحدة، يا للسخرية الفظة.
منذ ذلك اليوم، والطوابير الطويلة المذلة هي يومنا كله.
سقفنا السماء، وبابنا لا نستطيع إغلاقه، لا نافذة تُطل على شيء، ولا درج يصعد بنا إلى بيتنا القديم.
ثلاث سنوات لم نسند ظهورنا إلى جدارٍ نعرفه، لم نغسل ثيابنا في غسالة، لم نشعل موقدًا في مطبخ، ولم نقف في شرفةٍ نراقب منها الشارع.
ثلاث سنوات كاملة مرت على العالم،
وغزة لا زالت عالقة في اليوم الأول.
ثلاث أعوام على الإبادة
غزة | أكتوبر 2026
أحد أيام ما يسمى “وقف إطلاق النار”
مالك الشينبري
٥/١٠/٢٠٢٦
عن يوم السادس من أكتوبر 2023
كانت غزة قبل ثلاث سنوات من الآن، تلقي على نفسها نظرتها الأخيرة. كان الصمت والكلام يشبهان بعضهما، وكان الغيب يجهز قهوته ليدخل في الحكاية.. كان السؤال لغمًا جامحا جاهزا، سيفجر نفسه بعد ساعات. وكنا نحن -أهل المكان وذويه- نعبّ من كأس البصيرة، ونفترض مهاما غير التي نألفها عن الزمن والمعنى والكلام.. كانت ولاية الدم تجهز نفسها لمزاد بطولةٍ من ملح، وتعرف أن القصة قد بدأت قبل موعدها كثيرا، بدأت باكرا، والسر أقل الحاضرين.. كانت الشمس قد أرخت شعرها للريح، تاركة نفسها له.. كيّ يذهب بها أينما حل. وكانت الطرق تلعب لعبة الغميضة مع إملاءات الخليقة واحتمالاتها الملتبسة.. كانت حنجرة النجاة معطّلة، وتفعيلها يحتاج محرقة كالتي حدثت، فكان لها ما تريد.. وكنّا جميعا كبشَ المذبح المطيعَ، الذي قرر سادةُ الرماد اختياره للذبح وتأديةِ الطقس المقدس.. كنّا بكلِّنا وكل ما يدل علينا حصادًا لقرار ملتبس كهذا؛ يشبه الدنيا شبهةً وحجما وفجيعية… كانت الأشياء كلها نقاطا مجتمعةً، تشكّل بورتريه القادم الجريح. شيء واحد لم يكن، هو أننا لم نجهز أنفسنا لنكون أساطير لهذا الحد.
هاشم عبد الكريم
٥/١٠/٢٠٢٦
كانَ يوم الجُمعة
حسناً.. السادس من أكتوبر، وكان اليوم جمعة، وكان غذاءنا فخذ حبش، حيث قامت زوجتي بتتبيله قبلها بيوم، وفي صباح الجمعة توجهت الى مندي النجمة، في شارع الصالات، وكان دوري يومها 11، أخذت الرقم ووضعته في جيبي، في الشوارع الخالية من الناس صباحاً، إلا من بضعة أطفال يلعبون في حديقة النجمة، وبائع الدخان، وماركت العائلة، ومحل فلافل السوري، عدت للمنزل فوجدت فارس ذو السنتين الا شهراً وقتها، يجلس على سريره ينتظرني، لا يتجرأ أن يصدر صوتاً بينما أمه نائمة.. كلنا هذا الرجل يا فارس، صليت الجمعة في مسجد العودة، قبلت يد أم طلعت بعد عودتي من الصلاة، وجلست معها قليلاً، ثم ذهبت لاستلام الفخذ وصينية الأرز الشهية، ودفعت لقاء ذلك خمسة عشر شيكلاً دفعة واحدة، في المساء قررنا الخروج لتناول البيتزا في مطعم دولسي الكائن في الطابق الأول من المركز التجاري في قلب مدينة رفح، ولكن للأسف كان المطعم في هذا اليوم بالذات لا يقدم الا الحلويات، ورغم حجزنا الطاولة تركنا المطعم وخرجنا، واستبدلنا البيتزا بثلاث لفات شاورما من مطعم مؤيد مقابل بلدية رفح، ثم اشترينا شيكولاتة من محل ليندور، المجاور للمطعم، وعدنا أدراجنا بعد أخذ جولة واسعة في مدينة رفح، كأننا نودعها، شوارعها، أبنيتها، مساجدها، نواديها، منازلها، أطفالها، كان هذا اللقاء الأخير قبل الكارثة..
قبل انتصاف الليل نهض فارس مفزوعاً من نومه، وأخذته في حضني أهدؤه حتى نام مرة أخرى، كانت هذه الليلة الأخيرة التي لم نستيقظ منها أبداً.
أحمد عيسى
٦/١٠/٢٠٢٦
“سَنَد”
في الخامس من أكتوبر، وُلد سند… قبل الحرب بيومين.
جاء بعد ثماني بنات، فكان فرحتنا التي انتظرناها طويلًا، وحلمنا له بسريرٍ دافئ، وملابس جديدة، وألعابٍ تملأ طفولته.
لكن الحرب سبقته إلى طفولته، فلم يعرف بيتًا ولا سريرًا، ولم يهنأ بألعابٍ أو أيامٍ تشبه أيام الأطفال.
كبر متنقلًا بين خيام النزوح، يحمل طفولته ولا يعرف من الحياة إلا القليل مما لا يليق بطفل.
ثلاثة أعوام يا سند…
كان يجب أن تكون فيها مدللًا بين ألعابك، لا نازحًا بين خيامك.
يا صغيرنا الذي جاء بعد ثماني أخوات، سامحنا لأننا لم نستطع أن نهبك طفولةً كما تمنينا.
ونرجو أن يأتي يومٌ تنام فيه في بيتك، وتلعب بأمان، وتضحك دون خوف.
كل عام وأنت بخير يا سند… يا أجمل ما جاءنا في زمن الحرب
رامي طعيمه
٥/١٠/٢٠٢٦


