وفاء.. من أين أبدأ؟! ما نعيشه اليوم ليس كالحروب التي عشناها سويًا، بل إبادة وتطهير عرقي مستمر، ومع ذلك لم أصلِّ في الأقصى، ولم تتحرر البلاد. عدد الضحايا من بعدك أصبح مئات الآلاف، ومن تبقّى منا يناشد العالم فقط ليُبقيه على قيد الحياة.
لم أسافر كما أردتِ دوماً؛ أُغلق المعبر قبل سفري بأسبوع، وصارت رفح كلها محتلة. لم يتبقَّ مدينة ولا مدرسة ولا جامعة، ولا حتى حمّام.. نحن نعيش في العراء، أنا مع أمي وأبي في مواصي خانيونس؛ ذلك المكان الصحراوي القاحل الذي كنا نلمحه ونحن نعبر الطريق من رفح إلى غزة مروراً.
لا تقلقي على أطفالك، هم بخير.. بقدر ما تمنحنا هذه الحياة الشحيحة من أمان. لا أعلم إن كنتِ تشعرين بما جرى.. لقد فقدنا صغيرتنا أمل؛ كبرت فجأة لتصبح عروساً، ثم قُصفت مع جدها قبل زفافها بأسبوعين. وهُدم منزلنا؛ وكل الأشغال اليدوية والنحاسيات التي جمعتها قطعة قطعة من رفح، ومن سوق الزاوية، ومن مصر.. تحت الركام. أما أمي فتبكيكِ كل يوم، وتسأل نفسها: «هل خاصمتِنا لأننا نزحنا مجبرين وتركناكِ في رفح وحدك؟ وهل شعرتِ بالألم حين جرفوا قبرك؟»
سأخبرك بأشياء جديدة لن تصدقيها.. أصبحتُ بارعة في بناء الخيم، أغسل بيدي، وأشعل النار، وأميّز المسمار العادي عن الباطون، وأركب كارة الحمار بكل ثقة كمواصلات، وأستخدم الرمل أحياناً لجلي الصحون. يداي لم تعودا ناعمتين، ولا أظافري طويلة. أعلم أنكِ ستظنين كل هذا كذبةً وستضحكين.
حتى اسمي تغيّر.. أصبحتُ أسمّي نفسي “نجيّا” بكل فخر، ولم أعد أغضب حين يناديني به أحد. يمكنكِ الآن أن تناديني في حلمي “ناجيّاااهِ” لتستفزّيني كما كنتِ تفعلين، وسأجيبكِ بكل حب.
إن كنتِ ترينني وتشعرين بي.. فأنا بخير، لا تقلقي. كل ما في الأمر أنني أشتاق إليكِ حدّ الوجع، وأحتاج أن تأتي إليّ في الأحلام أكثر.. لعلني أصدق أن هذا كله مجرد كابوس، سنصحو منه معا يوما ما.
نجيّا محمود
٢٣/١٠/٢٠٢٦


