على عكس هذه الأيّام فقد كانَ اللّعب في مرحلة طفولتنا خارج حُدود جُدران البيوت، في الحواري والأحياء والحَواكير وبساتين البُرتقال والزّيتون وكُروم العِنَب. مِن بّين الألعاب التي كانَت شائعة القَفز بالحَبل وَالحجلة وَالبنانير البلوريّة والمقاليع و”الغُميضة” و”عالي وَطوَط” والسّبع حجار وتَطيير الطّائرات الورقيّة ذات الألوان الزّاهيّة التي كُنّا نُبدع بصُنعها بأيدينا لنُطلقها تُحلّق في الفضاء.
كانَ اللّعب في الهواء الطّلق مُتعة ما بعدها مُتعة عدا عَن كونه مُفيداً أيضاً من النّواحي الصّحيّة لكثرة الحركة والقفز والرّكض. لا نكّل ولا نَمّل منه ولا نتوقف إلّا بعدَ أن يبدأ الآباء والأمّهات بدعوتنا فوراً إلى البَيت كَي نستَعِد للنَوم والنّهوض مُبكّراً صَباح اليوم التّالي لِنذهب إلى مَدارِسنا بنشاط.
أمّا أكثر “الألعاب” المُحبّبة إلينا نحنُ الذين لم نتجاوز العاشرة وقتها فكانَ الوُصول إلى ذاك القصر البعيد على قمة الجبل. لم تكُن هذه مُجرّد لُعبة نهواها فحسب وإنّما مُغامرة شيّقة فيها الكثير من التّحدّي.
كانَ القصر هيكلاً مهجوراً، لم يكتمل بناؤه فيما تَسلُّق الجبل وبُلوغ الهَدف بالنّسبة لنا كانَ إنجازاً. نتفّق على أن نلتقي عند نُقطة مُحدّدة ومِن ثمّ يمسك أحدُنا بيد الآخر ونبدأ بالصّعود تدريجيّاً إلى أن نَصِلَه. نتجوّل بين أعمدَته، ننظُر إليها باستغراب ونتساءَل عن أسباب إهماله رُغم موقعه الجَميل. يَجلِس مِن ثمّ أحدُنا إلى جوار الآخر بالقُرب من إحدى حوافِه بينما تتدلّى أقدامنا إلى أسفل وتتأرجح بِحُرّيّة في الهواء. نتأمَل من أعلى كُل ما حولِنا وكأنّنا هبطنا على سَطح المَرّيخ ومَلكنا العالَمَ كُلّه بأيدينا في تلك اللّحظات.
كانَ المكان هادئاً بعيداً عن ضجيج الشّارع العام. يَستدرجِنا السّكون إلى قِصص الخَيال التي تقّصّها علينا الجدّات والأمّهات عن قُصور المَلِكات وقِلاع المُحاربين ووجوه الأميرات الجَميلات وشرور السّاحرات القبيحات اللواتي يَظهرنَّ لِمَن لا يطيع والديه. يَجعلنا كُل هذا وذاك نَشعُر بِرهبة تَدفعنا أحياناً إلى مُغادرة القصر فجأة وكأنَّ هُناك مَن يترّبّص لنا بِعصا ويُريد أن يضرِبَنا.
كانَ قد بدأ بناء القصر في حَي بيت حنينا شمال القُدس بِداية سيتينيّات القرن الماضي كَي يكونَ مقرّاً للعاهل الأردني الرّاحل الحُسين بن طلال عندما يأتي من الأردُن لزيارة الضّفة الغربيّة قبلَ سُقوطها في قَبضة الإحتلال الإسرائيلي عام 1967، أي في عام الرّعد.
بَقِيَ القَصر على حاله إلى ما قبل حوالي عشرة أعوام حيثُ تردّدت أخبار وقتها بأن هيئة الأوقاف الإسلاميّة في القُدس تعتزم مُباشرة تشييده بعد أن تَحوّل طيلة السّنوات الأخيرة إلى وَكر لمُتعاطي المُخدّرات ومكان للقاء مُدمني الكحول إلّا أنّ تنفيذ المشروع لم يَتحقّق بسبب العراقيل السّياسيّة والقانونية التي وضعتها سُلطات الإحتلال الإسرائيلي أمام “الهيئة”.
لا تبدو المعلومات عن الحقبة التّاريخيّة مِن العام 1948 إلى العام 1967 حيثُ كانَت الضّفة الغربيّة بما فيها القُدس تحت وصاية العائلة الهاشميّة الأردنيّة كثيرة ولكّن من القليل جدّاً ممّا وصلنا مِن “طراطيش” الأخبار عنها أن العاهِل الأردني الرّاحل الملك حُسين بن طلال عندما كانَ يأتي إلى القُدس في تلك المرحلة كانَ يُقيم في فيلا في حَي بيت حنينا تَملكُها عائلة مقدسيّة هِيَ عائلة “القُطُب”
فيلّا عائلة القُطب في بيت حنينا في خمسينيّات وستّينيذات القرن الماضي
الصّورة من أرشيف موقع APO Documentaries
يقع حَي بيت حنينا على بُعد حوالي 15 كلم إلى شمال القُدس وكانَ يُعتبَر من أرقى الأحياء السّكنيّة في مُحيط القُدس في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي. لم يكُن فيه سوى بعض البيوت المُتفرّقة َالتي تَعود ملُكيتها لعائلات مقدسيّة هُجّرّت مِن القُدس الغربيّة عام 1948. كانَت فيلا عائلة القُطُب تقع مُقابل بيتَنا المُستأجَر مِن مالِكه الحَنيني، نسبةً إلى بلدة بيت حنينا “التّحتى”. و”التّحتى” في العادة تعني البلدة القَديمة أو الأصل. كانَ عصبيَّ المزاج، سَريع الغضبَ و”لا يَبتسِم للرغيف السّخُن” كما يقول المَثَل. لا يَمُّر يومٌ دونَ أن تسمع زعبراته وردحه لشريكة عُمره وأم عيالِه الثمانيّة. أمّا هِيَ فغالباً ما كانت تتجاهَل وجوده وتُباشِر عَجن الطّحين كي تَخبزَه فَجر اليوم التّالي.
العاهِل الأردني الرّاحل الحُسين بن
طلال يلتقي أبناء الجاليّة الأمريكيّة من المقدسيين في فُندق الأمبسادور في القُدس
في خمسينيّات القرن الماضي، حيثُ يُطّل أبو ميشيل برطربوشه من بين الجموع/ أرشيف
عائلي
بَقِيَ بيت حنينا حيّاً سَكَنيّاً هادِئاً إلى بداية تسعينيّات القرن الماضي لم يَكُن فيه سِوى بقّالة واحدة يُديرُها “الأخوَين” عاطِف وَخالِد. ومَع بدء مُفاوضات أوسلو بين منظمة التّحرير الفلسطينيّة والجانِب الإسرائيلي عام 1993، التي كانَ يُفترض أن تُتّوّج بعد خمسة أعوام بإنسحاب الإحتلال الإسرائيلي التّام إلى حدود الرّابع من حُزيران عام 1967، وتشكّل السّلطة الفلسطينيّة واتّخاذها من رام اللّه مقرّاً لها أخذت إيجارات الشّقق والبيوت في القُدس وأحياءِها ترتفع بشكلٍ غير مسبوق. هذا بدوره دفَع بكثير من المقدسيين إلى الإنتقال من القُدس وضواحيها إلى مدينة رام اللّه، “عاصمة السُّلطة الفلسطينيّة “المؤقّتة”. شَهِدَت تلك المرحلة أيضاً انتقال العَديد من مقرّات المؤسّسات الوطنية والمنظّمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية الفلسطينيّة والمؤسّسات الأجنبيّة إلى مدينة رام اللّه أيضاً.
في نهاية العام 2000 وبعد اندلاع الإنتفاضة الفلسطينيّة الثّانيّة، إنتفاضة الأقصى وإقامة الحواجز العسكريّة الإسرائيليّة على الطّرق بينَ المُدن الفلسطينيّة وعلى مداخل القُدس من جهاتها الأربع ومن ثمّ بِناء جِدار الضّم الإستيطاني حول المدينة وتكثيف حملة سحب الهويّات بدأَ الكثير من المقدسيين يَعودون إلى القُدس خشية فُقدان حقّهم في الإقامة في المدينة. لم يَكُن أمامهم مِن خيارات للحفاظ على بطاقات هويّاتهم المقدسيّة التي تضمَن بقاءَهم في القُدس سوى العَودة إلى الأحياء المُحيطة بمدينة القُدس والتي تَدخُل ضمن حدود بلديّة الإحتلال. كانَ حَي بيت حنينا أحد تلك الأحياء.
العاهِل الأردني الحُسين طلال يفتتح فُندق سان جورج في القُدس في العام 1965
منذُ ذاكَ الحين بدأت الوقائع على الأرض في بيت حنينا تنقلب رأساً على عقب إلى درجة أن مَن عرف هذا الحَي وعاشَ فيه في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي مِثلي يَكاد لا يُصّدّق اليوم أنّ هذا الحَي هوَ ذاته الذي عرفه قبلَ ثلاثينَ عاماً. لقد تحوّل الحَي على مدار العقود الثلاثة الأخيرة إلى شارِعٍ خدماتي ضيّق مُحاصَر مِن الجانبَين بعشرات الدّكاكين والمحال التّجاريّة وورشات البِناء والأبراج السكنيّة المُتلاصقة بعضها ببعض ويصطَف أمامِها كمٌّ هائِل مِن السّيارات والحافلات والترّكات.
قالَ لي أحد سُكّان الحَي منذُ حوالي عامَين مُتّهكّماً أنّ الشارِع باتَ يُطلَق عليه اليوم شارِع “الشانزيلِيزيه”.
“الشانزيليزيه”







