لا تزال رائحة البُرتقال واللّيمون الرّيحاويَّين عالقةً في أنفي إلى اليوم. في طُفولتي، كانَ خبر الذّهاب إلى أريحا صباحاً يتسبّب لي بالنّكّد ويُثير فيّ الرُّعب.
فالرّحلة من القُدس إلى أريحا في “السَّرفيس” ذي السّبعة رُكّاب، خاصةً إن كُنتُ أجلِس في المقعد الخَلفي، كانت تبدو لي طويلة جدّاً علماً بأنّ المَسافة بين “المَدينَتَين” لا تتجاوز 25 كيلومتراً لناحية الشّرق. كما أنّ الطّريق المُؤدي إلى أريحا من القُدس كانَ ضَيّقاً، صحراويّاً وكثير المُنعطفات والمطّبات والانحدارات الأمر الذي كانَ يُثير الغثيان في أحشائي. وتحت إلحاحي الشّديد كانَ يُضطّر الوالِد أحياناً إلى الاستئذان من الرّكاب وأن يطلُبَ من سائق التّكسي التوقّف كي أتقيأ خارج السّيارة قبل أن أفعلها داخلها. ومع اقترابنا من الوصول كانَ انخفاض المنطقة المُفاجىء عن سطح البحر يتسبب بانسداد أُذُنَيّ ما يزيد انزعاجي، لكّن ما أن نصل وننزل من التّكسي وسط أريحا كانت تنفرج أساريري وأشعر بسعادة لأبدأ فصلاً جديداً من فُصول النّق على الوالِد والوالدة راجيةً إيّاهما عدم مُغادرة المدينة مُبكراً والبقاء هُناك إلى ساعةٍ مُتأخرة.
كُنّا أحياناً نقضي اليوم في إحدى بيّارات الأقارِب أو الأصدِقاء. والبيّارات في فلسطين كثيرة وتُطلَق على الأرض المزروعة بأشجار الحمضيّات المُتنوعّة في العادة والتي تحتاج إلى مناخٍ دافىء. نجلِس على الأرض تحتَ إحداها لنحتمي بظلّها من حرارة الشّمس ونتناول ما تيّسّر من الساندويشات والخُضار والفاكهة التي ساهمَ باعدادها الجميع وأتوا بها بثّلاجاتهم المحمولة. أحياناً أخرى كُنّا نذهب إلى أحد المنتزهات العامة التي تُقدّم المُقّبلات الشّامية الطّيبة ووجبات اللّحم أو الدّجاج المَشوي والمسّخن الفلسطيني الشّهيّة. كانت الأراجيج والألعاب التّرفيهيّة تملأ المكان .يلتقي حولَها الأطفالٌ الذين أتوا مع ذويهم من مُدنٍ وبَلدات فلسطينيّة مُختلفة، يتعرّفون إلى بعضهم البعض ويتبادلون الأحاديث الطّفوليّة البريئة عن مدارسهم وألعابهم وهواياتهم

الشارع الرئيسي بينَ القُدس وأريحا كما كانَ في سبعينيّات القرن الماضي
كانَت أريحا وجهة الفلسطينيين في فصل الشّتاء. منتزهاتها العامة وبياّراتها الخاصة تزدَحِم بالنّاس نهاية الأسبوع الذين يأتون للاستمتاع بدفء شمسها. كما أنّ رَصيفَي شارعها الرّئيسي كانَا يعجّان بالمُتّنّزهين من الصبّايا والشباب الذين يَسيرون ذِهاباً وإياباً، في حين يختار آخرون استئجار الدّراجات الهوائيّة من المحال المُخصّصة لذلك وسط المدينة. أمّا السّائحون الأجانب فكانوا في العادة يُفضّلون السّير على الأقدام في طريق وادي القِلط المُمتد من القُدس غرباً إلى أريحا شرقاً ومن ثمّ زيارة جبل القرنطل وقصر هشام وهُما من أهم معالمها الأثريّة.
كانَت أريحا مشتى الفلسطينيين في فصل الشّتاء البارِد ورام الله مصيَفهم في فصل الصّيف الحار أمّا القُدس فقِبلتهم السياسيّة والاقتصادية والثقّافيّة والسّياحيّة والدّينيّة في فصول السّنة الأربعة.

الشّارع بينَ القُدس وأريحا كما يبدو اليوم حيثُ تمّ
إقامة شبكة من الطُرُق والجسور لخدمة المُستوطنات شرق القُدس وأكبرها مُستوطنة
معاليه أدوميم الواقعة.


