أنا الباقي من العُمر |

أنا الباقي من العُمر

أنا أمير، العُمر الذي بقي،

بصوت أمي “ناهد” وأبي “عبدالكريم” في الصباح، كان العالم يمضي مطمئناً في دورته. وبأختاي “إيلانا” و”بسمة”، وأخواي “فتحي” و”محمد”، كان المكان يكتسب معناه ويصبح سكناً. وراء ذلك البيت، امتدت بيوت أخرى من الدم؛ لكل منها بابٌ تُعرف طَرقته قبل أن يُفتح، وصوتٌ يخصّه، وعادةٌ لا تشبه سواها.

في حضور عمّي “بلال” و”أيمن”، وأبناء عمي الذين يملؤون الزوايا والأيام: “وسام”، و”أحمد”، و”مجد”، و”فتحي”، و”يحيى”، و”وسيم”، و”فهد”، و”راني”، و”رامز”، و”أمير”، و”محمد”. أسماءٌ أحاطت بي كالسياج، ولم يخطر ببالي يوماً أنها ستنسلخ عن الحاضر لتغدو مجرد ذاكرة. و بنات عمي: “ناريمان”، و”ندى”، و”ملك”، و”مارينا”، و”سلام”، و”إيمان”، و”تالا”.. فلم تكنّ مجرد حروف، بل كان لكلٍ منهن وجهٌ يمنح العائلة ملامحها المألوفة.

ومن الدم ما يعجز الحصر عن إدراكه؛ زوجاتٌ، وأطفالٌ، وأجيالٌ كانت تريد أن تكبر . كان لي من أبناء العمومة “محمداتٌ” و”محاميد”، و”عبدالرازق”، و”يحيى”، و”أنور”، و”عبدالله” وإخوانهم، و”يوسف”، و”أبو طلحة”. وكان لي أطفالٌ من هذه العائلة، صغارٌ لم يأخذوا حقهم من الاسم ولا من الحياة؛ وجوهٌ غضّة كنت أراها تعدو على الأسطح، وأسمع ضجيجها المعتاد، غافلاً عن حقيقة أنني سأحتاج يوماً إلى استحضارها.

هناك أيضاً عمتي “سهام”وعمتي “ورود”، وعمة أبي “دلال”، وكبارٌ من عمومة أبي وأخواله، رجالٌ يمتلكون ما يجعلهم يفضّون الشجارات في الزقاق بكلمة واحدة. ووراء كل اسمٍ ذكرته، طابورٌ من أسماء لم أذكرها، حاضرةٌ بقوة الوجع ذاته.

وكان لي خالاتي “ليلى”، و”مها”، و”سعدة”، فقد كنّ يحملن جزءاً أصيلاً من اسمنا. وكان أبناؤهن: “المحامدة”، و”يوسف”، و”ضياء”، و”مجدي” وإخوانهم وأخواتهم، امتداداً لجذورنا في الأرض. ومثلهم خالي “أبو نضال”، و”نضال” أيضاً.

وفي دروب الحياة، رافقني أصدقاء من تلك الطينة التي لا تُعوّض ولا تُخلَف: “يوسف”، و”نضال”، و”نائل”، و”أنس”. أصحابٌ من كل مرحلة، ورفاقٌ على الطريق، كان الواحد منهم يكفي ليكون ونسًا.

وكان لي أساتذة.. رحلوا هكذا، قبل أن أُتقن لهم الشكر.

في حارتنا، كان الجيران: “المحامدة”، و”المحمدات”، و”أشرف”، و”مجدي”، و”صالح”، و”رجب”، و”سعود”، و”سعيد”. لكل بابٍ في الحارة وجهٌ وصوتٌ وطرقةٌ تدلك على صاحبها. أذكر صاحب البقالة، والماركت، والكشك. أذكر روائح طعام البيوت التي كانت تتسلل من تحت الأبواب لتعلق في الذاكرة ولا تعود. أذكر الآباء يجلسون في آخر النهار جلوس المطمئن الذي يملك وقته. كانت الحارة كلها اسماً واحداً كبيراً، وكان الغسيل المنشور بين البيوت أعلاماً ترفرف لكل عائلة.

كان لي معارف وزملاء، وناسٌ مررت بهم مراراً، أتنفس وجودهم وكأنه أمر إلزامي كالهواء، ولم أكن أعلم أنني سأُقتلع فجأة من هذا المشهد بأسره.

كان لي.. وكان لي.. وكان لي.

عالمٌ كامل، مجتمعٌ بأسره. بائع الكعك صوته وبائع الخضار، عجلة عربة الغاز في الصبح الباكر، ضجيج الأطفال في الزاروب، ودفء الضيق الذي كان يجبرنا على عناق المكان أكثر مما خططنا له.

ذكرتُ من ذكرت، ونسيتُ من نسيت.. والنسيان هنا ليس براءة … 

أنا أمير.. أنا الذي بقي. وفي الصدر ما لا تتسع له الكلمات، وسيظل هناك !

أمير المجدلاوي

29/3/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة