حاولَت الأم رغم كل شيء أن تجرّ العيد إلى مربعها، نصبت له كمائن الفرح.
صامت التسعة الأوائل من ذي الحجة، كنست البيت، غسلت السجاد، صعدت السلم مثقلة بعبوات المياه لتغسل البلاط من غبار الركام، فتحت تكبيرات العيد، ورددت خلفها:
“الله أكبر الله أكبر”.
عطّرت البيت بالعود.. ماذا تبقّى؟
آه، ملابس العيد.
علينا أن نشتري ملابس العيد ليلة العيد حتى تبقى هيبة الملابس ولا تزول. إنها البهجة الأخيرة التي يجب أن تصل طازجة إلى قلوب البنات.
تجاهلت الأم البراغيث التي تنهش جلدها في الليل، والقوارض التي تقاسمها بقايا الطعام، والأسعار التي تحرق السوق، والطرقات الجرباء التى عضتها جنازير الدبابات، وانقطاع المياه والكهرباء، وانعدام المواصلات، وطوابير الخبز، ورائحة النزوح الثقيلة التي علقت في كل شيء.
تجاهلت كل أدوات العدم، وفعلت كل ما يمكن لامرأة في هذا العالم أن تفعله كي تشعر بناتها أن العيد ما زال حيّاً.
ألم أقل لكم إنها فعلت كل ما عليها لتجرّ العيد إلى مربع الفرح؟
بعد غياب شمس يوم عرفة وقبل صلاة العشاء ، أخذت بناتها ونزلت إلى السوق لشراء ملابس العيد .
على نفس خط الطول كان العيد يقف بجانب الموت.
لكن الموت كان أسرع.
حشر نفسه في عبوة صاروخ ببطن طائرة، وتربّص بالسيدة التي لم تكن تريد من الدنيا سوى أن تفرح في العيد. حاولت، ثم حاولت، ثم حاولت… لكن الصاروخ كان أسرع.
دوّى الانفجار.
سقطت أكياس الملابس من أيدي الصغيرات، وتناثرت الحلوى فوق الإسفلت المختلط بالدم والغبار.
ركض الناس في كل اتجاه، وارتفعت الصرخات دفعة واحدة، واختلط دخان البارود بتكبيرات العيد التي كانت تعطر الأجواء من المحال قبل لحظات ثم سكتت فجأة، كأن غولا خنق المدينة بيده الآثمة .
الشظايا اخترقت المانيكانات المنتصبة مداخل محلات الملابس ، فبدت الفساتين الصغيرة كأنها أجساد أخرى أُصيبت هي أيضاً.
الغبار ملأ الوجوه والأفواه، والبنات واقفات وسط الركام لا يفهمن لماذا تحوّل السوق الذي جاؤوا إليه لشراء الفرح إلى حفرة موت.
عادت الفتيات الصغيرات إلى البيت وحدهن، بينما قضت الأم ليلة العيد في ثلاجة الموتى، تنتظر أن يأتي الرجال بعد صلاة العيد ليصلّوا عليها وقوفاً، ثم يواروا جسدها الثرى في صباح أول يوم من العيد.
هل نكتب على شاهد قبر الأم الشهيدة : كل عام وأنتم بألف خير ؟ أم نكتب هنا تعزية للفتيات الصغيرات اللاتي سيصير العيد لهن ذكرى ألم؟!
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين
27/5/2026


